مرض الباركنسون

فَهْمُ داءِ پاركنسون

لايزال الفاعل المسؤول غائبا. ولكنّ الأدلة المتنامية توحي بأن

مواد شديدة التفاعل، تسمى الجذور الحُرّة، تؤدي دورا

رئيسا في هذا الاضطراب العصبي الشائع.

ـ

إن إحدى أكثر اللحظات إثارة في الألعاب الأولمپية لصيف عام 1996 بأتلانتا، حدثت في افتتاح احتفالات الألعاب، وحتى قبل بدايتها. فقد حمل محمد علي كلاي (بطل العالم السابق في الملاكمة للوزن الثقيل، الحائز الميدالية الذهبية في أولمپياد عام 1960) المشعل وأوقد بإصرار الشعلة الأولمپية ويداه ترتعشان. وهنا ذكَّر مجهوده الواضح العالمَ بتأثير داء پاركنسون والاضطرابات المشابهة في الجهاز العصبي البشري. ولطالما اعتز محمد علي، الذي كان بطل زمانه، بمقدرته على «الانسياب كالفراشة واللّدْغ كالنحلة»، واليوم يقف مصارعا للتحكم في جسمه وتثبيت قدميه.

وكذلك أبرزتْ حالة محمد علي الحاجةَ الفورية إلى معالجات أفضل. صحيح إننا لا ندعي أن علاجا يلوح بالأفق، ولكننا نستطيع إلقاء نظرة على ما أنجزه الباحثون من تقدم كبير في فهم داء پاركنسون الذي يصيب أكثر من نصف مليون إنسان في الولايات المتحدة وحدها. ومع أن هذا البحث مازال ناقصا، فقد بدأ يوحي حديثا بأفكار تتعدى تخفيف الأعراض إلى ما هو أهم ألا وهو إيقاف سيرورةِ (حَدَثِيَّة) process المرض.


أوقد محمد علي كلاي، الذي يعاني داء پاركنسون، الشعلة الأولمبية في ألعاب صيف عام 1996 بأتلانتا. وقد أذكى عدم اتزان هذا الرياضي، الذي كان ذات يوم لاعبا لا يقهر، شرارة تُذكِّر بالحاجة الملحة إلى علاجات أكثر نجاعة.

يعمل داء پاركنسون على التخريب المطَّرد لجزء الدماغ المسؤول عن تنسيق الحركات. فقد تمّ تعرفه منذ عام 1817 على الأقل، حينما وصف الطبيب البريطاني جيمس پاركنسون أعراضه المميزة في «مقالة عن الشلل الارتجافي shaking palsy». ففي بداية الداء يميل المصابون إلى إظهار ارتعاش إيقاعي rhythmic tremor في اليد والقدم، ولا سيما حينما تكون الطرف في حالة الراحة. (وقد ساعد مثل هذا الارتعاش على إقناع العديد من الدارسين بأن البابا مصاب بهذا الاضطراب). ومع مرور الزمن قد يزداد المرضى تباطؤا وتيبسًا stiffness. ويمكن كذلك أن يجدوا صعوبة في استهلال الحركات (وبخاصة النهوض من وضعية الجلوس) وأن يفقدوا التوازن والتنسيق وأن يتجمدوا freeze بشكل غير متوقع حينما تضعف عضلاتهم المشدودة دفعة واحدة.

كما يمكن ظهور أعراض غير حركية. وهذه قد تتضمن التعرّق المفرط أو اضطرابات أخرى للجهاز العصبي اللاإرادي ومشكلات نفسية مثل الاكتئاب ثم العته dementia في مراحل متأخرة. وتكون معظم المشكلات (الحركية وغيرها) خفيفة في البداية، ثم تسوء مع الزمن لتغدو على الأغلب مُقْعِدة بعد خمس إلى خمس عشرة سنة. ويُبْدي المرضى أعراضهم الأولى عادة بعد سن الستين.

لقد عُرِفَ منذ زمن طويل أن الاضطرابات الحركية تنشأ بشكل رئيسي عن تدمير خلايا عصبية في جذع الدماغ brain stem وتتواصل مع منطقة تقع تحت قشرة الدماغ. وبتحديد أكبر، فإن العصبونات المصابة هي الخلايا المُتَصَبِّغة الواقعة في «المادة السوداء» substantia nigra لجذع الدماغ والتي تبعثُ استطالات إلى أعماقِ قطاعٍ أعلى يسمى الجسم المُخَطَّط striatum، وذلك بسبب خطوطه.

وكما ذكر (من جامعة گوتنبرگ) في عام 1959، تساعد العصبونات المتضررة (وهي في الحالة السوية) على التحكم في الحركة عن طريق إطلاق مِرْسال كيميائي (هو الناقل العصبي المسمى دوپامين) إلى داخل الجسم المخطط. وتحوِّل خلايا الجسم المخطط بدورها الرسالة الدوپامينية عبر مراكز التحكم في الحركة الموجودة في الدماغ إلى القشرة التي تستخدم المعلومات بعدئذ كمرشد لتحديد الكيفية التي ينبغي للعضلات أن تسلكها في نهاية المطاف. ولكن بينما تموت العصبونات المولدة للدوپامين، يُعَطِّل الهبوطُ في الإيعاز signalling الدوپاميني ـ الناجم عن ذلك ـ الأداء السَّلِس للشبكة الحركية بمجملها، ويضعف أنشطة المصاب. وتنجم الأعراض غير الحركية بشكل رئيسي، حسبما يظهر، عن زوال أنواع أخرى من العصبونات في أماكن أخرى بالدماغ. ولكن يبقى من غير المعروف كيف تتضرر العصبونات المختلفة التي غدت مفقودة.


توضح هذه الصورة مناطق الدماغ المتأثرة ماديا ووظيفيا بداء پاركنسون. فمنطقة القسم المتماسك pars compacta من المادة السوداء (المفصّلة ضمن الإطار) تخسر العصبونات التي تُصْدِر عادة الإشارات المتحكمة في الحركات (الأسهم) إلى الجسم المخطَّط، وذلك على هيئة الدوپامين المعروف كمادة كيميائية متوافرة بشكل طبيعي. وترسل عصبونات الجسم المخطط الرسائلَ إلى مراكز محركة أعلى منها (الرمادي). ويخفض موت العصبونات في المادة السوداء مستويات الدوپامين وبذلك تتعطّل الدارة ومن ثم يتعطل التحكم الحركي لدى المريض. أما العصبونات المنتجة للدوپامين خارج المادة السوداء فلا تتأذّى كثيرا، إلا أن الباحات (المناطق)، التي تخسر أنواعا أخرى من العصبونات، (مثل نوى رافه raphe nuclei والموضع الأزرق locus ceruleus) تسهم في الاكتئاب وفي تظاهرات اضطرابية إضافية غير حركية.

ولما كانت إصابة (أذية) المادة السوداء تفسر معظم الأعراض، فقد ركز الباحثون اهتمامهم على تلك الباحة (المنطقة). ففي كل عشر سنوات من كهولتنا يختفي نحو 4 في المئة من احتياطنا الأصلي من العصبونات المولِّدة للدوپامين وذلك في حالة الشيخوخة العادية. ولكن داء پاركنسون ليس معلما عاديا على طريق الشيخوخة، بل إنه سيرورة إمراضية تُضَخِّم الموت الخلوي العادي تضخيما يفضي إلى حدوث الأعراض بعد دمار نحو 70 في المئة من العصبونات. ومازال من غير الواضح ما إذا كان شيء ما في البيئة يتسبب في هذه السيرورة (الحدثية) أو عيب جيني أو تركيبة من كليهما تسببها، على الرغم مما نُسِبَ حديثا إلى عيب في الصبغي (الكروموسوم) الرابع من مسؤولية في إحداث بعض الحالات.


يبين هذا المخططُ الدارةَ العصبونية المتعطلة في داء پاركنسون. فعندما تموت العصبونات المنتجة للدوپامين، يغيب إطلاق الدوپامين في الجسم المخطَّط، وهذا يؤدي إلى زيادة تنبيه الخلايا المنتجة للأستيلْكولين لأهدافها العصبونية، وبذلك ينبعث تفاعل سلسلي من تأشير signalling شاذ يقود إلى حركية مختلّة. وتبدو منطقة القسم (الفصّ) المتماسك للمادة السوداء في الدماغ السوي قاتمة اللون (الصورة اليسرى)؛ لأن العصبونات المنتجة للدوپامين تكون شديدة التصبغ. وبينما تموت العصبونات بسبب داء پاركنسون يصير اللون باهتا (الصورة اليمنى).

عوائق العلاجات الحالية
إن الإحباط الناجم عن عجز العقاقير المتاحة للمعالجة، أَلْهَبَ البحث في الأسباب الجذرية لداء پاركنسون؛ إذ لا بد أن يُثْمِر فَهْمُ طبيعة سيرورة الداء موادَّ أكثر نجاعة.

لقد تمّ العثور على الأدوية الأولى مصادفة. ففي عام 1867، لاحظ العلماء أن خلاصات نبات حشيشة ست الحُسُن (البلاّدونة) nightshade تخفف بعض الأعراض، الأمر الذي دعا الأطباء إلى الشروع في وصف هذه الخلاصات لمرضاهم. وفي أواسط العقد الأول من سنوات القرن الحالي، عرف الفارماكولوجيون أن ذلك العقّار يعمل على تثبيط نشاط الأستيلْكولين في الجسم المخطط، مع العلم أن الأستيلكولين هو أحد الجزيئات الكيميائية التي تحمل الرسائل بين العصبونات. وقد تضمن هذا الكشف أنّ الدوپامين المنطلق داخل الجسم المخطَّط يلزم عادة (ولو جزئيا على الأقل) لمعاكسة تأثيرات الأستيلكولين. وفي غياب مثل هذا التعديل يؤدي الأستيلكولين إلى فرط استثارة عصبونات الجسم المخطَّط التي ترسل استطالاتها إلى المناطق المحركة العليا في الدماغ.

ومع أن مثبِّطات الأستيلكولين قد ساعدت بشكل من الأشكال، فإنها لم تستأصل معظم أعراض داء پاركنسون. وعلاوة على ذلك، تضمنت التأثيرات الجانبية الكامنة لهذه المثبطات مشكلاتِ عجزٍ مثل الرؤية الضبابية وضعف الذاكرة. ومع ذلك فقد عمّ الفرح الأطباء في الستينات من هذا القرن حينما أثبت العقار الفعال «ليڤودوپا» levodopa (أو L-dopa اختصارا) قيمته الثمينة. ويعود الفضل في إتاحة هذه المادة، التي مازالت دعامة أساسية في العلاج، إلى الجهود البحثية لكل من من مستشفى لاينز-فيينا للمسنين و من جامعة فيينا و و
جامعة مكگيل و من جامعة روكفلر.

لقد طوّر هؤلاء الباحثون وغيرهم عقارًا من المادة L-dopa ليعاوِض بشكل نوعي انخفاض الدوپامين في أدمغة المصابين بداء پاركنسون، إذ تبيّنوا أن العصبونات المولِّدة للدوپامين تصنع ناقلها العصبي neurotransmitter عن طريق تحويل الحمض الأميني المسمى تيروزين إلى المادة L-dopa، ومن ثم تحويل هذه المادة إلى دوپامين. ونشير هنا إلى أن الدوبامين نفسه لا يمكن استعماله كعقّار لأنه لا يَعْبُر الحاجز الدماغي الدموي blood brain barrier الذي يمثل شبكة من الأوعية الدموية المتخصصة تتحكم بدقة فيما تسمح به من دخول المواد إلى داخل الجهاز العصبي المركزي. أما المادة L-dopa فتعبُر ذلك الحاجز بسهولة، ومن ثمّ تتحول إلى دوپامين بفضل العصبونات الصانعة له والباقية على قيد الحياة في المادة السوداء، وبفضل الخلايا اللاعصبونية ـ المسماة الخلايا النجمية astrocytes والدبق الميكروي (الصُّغْري) microglia ـ في الجسم المخطط.

حينما وُضِع العقار L-dopa موضع الاستعمال، قوبل بالترحيب بسبب قدرته على التحكم في الأعراض. ولكن مع مرور الزمن، تحقق الأطباء من أنه ليس بالشافي التام. فبعد نحو أربع سنوات، يعاني معظم المرضى ظاهرة منهكة تتمثل في فقدانهم التدريجي للتأثر بهذا المركب الذي لم يعد يعمل إلا بزيادته على فترات أقصر فأقصر. كما تبتلي العديدَ من المصابين تأثيراتٌ جانبيةٌ متزايدة نذكر منها الاضطرابات النفسية وظاهرة عجز الشّروع في الحركة والتوقف" disabling "on-off التي تتناوب فيها فترات من اللاحركية immobility، أو الجمود، مع فترات من الحركات السوية، أو اللاإرادية. وهناك مستحضرات طبية طويلة التأثير تحاكي تحرر الدوپامين من العصبونات، صارت اليوم في متناول اليد وتقلل ما أمكن من هذه التأثيرات الجانبية.

ولما توصل العلماء إلى أن المادة L-dopa لن تكون دواء عاما لذلك الداء، بدءوا بالتفتيش عن علاجات إضافية، الأمر الذي أدى بحلول عام 1974 إلى شروع ومعاونوه (في المعاهد الوطنية للصحة) في معالجة المرضى بعقاقير تحاكي أفعال الدوپامين، وتسمى ناهضات (شوادّ) الدوپامين dopamine agonists. وتستطيع هذه المواد تفادي بعض التأرجحات في التحكم الحركي التي تصاحب الاستخدام الطويل للعقار L-dopa. ولكنّ هذه المواد غاليةُ الثمن، ويمكن أن تسبب تأثيرات غير مرغوب فيها تخصها بالذات، بما في ذلك الارتباك والدوار (الدوخة) عند الوقوف منتصبا وكذلك الحركات اللاإرادية.

لقد أدخل بحثُنا عامَ 1975 مركَّب السيليجيلين selegiline (ويسمى أيضا ديپرينيل deprenyl) كعقار لمعالجة داء پاركنسون. وسبق لهذه المادة، التي ابتكرها عالم هنغاري، أن أخفقت في علاج الاكتئاب وتمّ بعد ذلك نسيانها تقريبا. ولكنها تستطيع أن تمنع تفكك الدوپامين، وهذا يحافظ على وجوده في الجسم المخطَّط. ويمكن أن يتفكك الدوپامين بوساطة العصبونات التي تصنعه، شأنها شأن الخلايا النجمية والدبق الميكروي الموجود بجوار موقع تحرره. ويثبط السيليجيلين إنزيم أُكسيداز الأمين الأحادي B monoamine oxidase الذي يفكك الدوپامين في الخلايا النجمية والدبق الميكروي.


تتضمن الأعراض الشائعة لداء پاركنسون الارتجاف والقساوة، أو التصلب العضلي، وبطء الحركية bradykinesia (بمعنى بطء الحركات وفقدان الحركية التلقائية (العفوية) spontaneous). وقد تظهر كذلك اضطرابات في التوازن وتبدلات في الكتابة اليدوية.

يتصف السيليجيلين ببعض الخاصيات الواعدة جدا، مع كونه أيضا يقصر عن بلوغ الهدف المثالي. فمثلا، يعزز تأثيرات العقار L-dopa ويسمح بإنقاص جرعة ذلك العقّار. كما أنه يجنبنا أخطار العقاقير المقاربة التي تمنع تفكك الدوپامين، إذ إن مثل هذه المواد ثبت بلواها في علاج حالات الاكتئاب حينما سبَّبت اضطرابات مميتة لدى مرضى تناولوا أطعمة معينة مثل الجبن. وفي الحقيقة، إن ما دفعنا إلى الكشف عن السيليجيلين كعلاج لداء پاركنسون جزئيا ما أوضحته الدراسة على الحيوانات من أن هذه المادة ستحول دون هذا الذي يسمى «تأثير الجبن».

ومما يؤسف له هو أن بعض مكتشفاتنا المبكرة أوحت بأن السيليجيلين يستطيع أن يحمي المصابين بداء پاركنسون من فقدان ما تبقّى من عصبوناتهم المولِّدة للدوپامين. ولكن الدراسة المكثفة التي أُجريت في الولايات المتحدة منذ بضع سنوات (والمعروفة باسم داتاتوب DATATOP) لم تستطع تأكيد هذا المفعول أو نفيه؛ بيد أن البحوث على الحيوانات تستمر في دعمه إلى حد كبير. ومهما يكن من أمر تبيان الدور الوقائي للسيليجيلين بنفسه أو لا، فإن الكشف عن تلك الإمكانية أعطى ما لا يقل عن فائدتين مهمتين. فقد أدى إلى تطور أنواع جديدة من مثبطات الإنزيم كعلاجات ممكنة ليس لداء پاركنسون وحده بل ولداء ألزايمر والاكتئاب أيضا. وكذلك غيَّر هذا العمل مقاصد الكثيرين ممن درسوا داء پاركنسون، فقد جعلهم يبحثون عن علاجات جديدة تهدف إلى معالجة المسببات بدلا من الاكتفاء بزيادة مستوى أو نشاط الدوپامين في الجسم المخطَّط (أي الأساليب التي تهدئ الأعراض ولكنها لا تمنع العصبونات من الانحلال).


يمكن أن يتوضح تلف النسيج الدماغي بشكل مثير في عينات مأخوذة من أناس ماتوا بداء پاركنسون. فالخلايا المنتجة للدوپامين (الأشكال البيضوية البنية) التي تشاهد في المادة السوداء للدماغ السليم (في اليسار) تغيب عمليا في عينة مأخوذة من فرد مصاب (في المركز). أما الخلايا التي تبقى على قيد الحياة فإنها غالبا ما تبقى علامة مميزة على أن الداء كان قيد العمل (في اليمين): وهنا يطلق على البنى الشاذة اسم جسيمات لوي Lewy bodies (الكرات القرمزية).

دور رئيسي للجذور الحرّة
وبالطبع، فإن أفضل طريق للحفاظ على العصبونات يكون في إيقاف واحدة أو أكثر من الخطوات الرئيسة التي تسبب ذروة التدمير في مسيرة الأحداث، إذا أمكن تعرفها. وفي حالة داء پاركنسون، فإن الأدلة المجتمعة توحي بشدة (وإن كانت غير جازمة) إلى أن العصبونات التي تموت إنما تَهْلَك إلى حد كبير بسبب التراكم المكثَّف لجزيئاتٍ عاليةِ التفاعل تُعْرَف بالجذور الحرة الأكسجينية oxygen free radicals. وتتصف الجذور الحرة بالتدمير لكونها تفتقر إلى أحد الإلكترونات مما يجعلها مهيأة لانتزاع إلكترونات من جزيئات أخرى، الأمر الذي يعرف بالأكسدة oxidation. وهذه الخاصية هي التي تؤدي إلى صدأ المعادن وفساد الزبدة. أما في الجسم، فإن هذه الجذور تشكل رصاصات بيولوجية، لأنها تستطيع أن تؤذي كل ما تضربه، سواء أكان أغشية خلوية دسمة أم مادة جينية أم بروتينات حاسمة. وعلى نحو مساوٍ من الإفساد، غالبا ما يكوّن الجذر الحر الواحد جذورا أخرى عديدة عبر أخذه إلكترونات من جزيئات أخرى، وبذلك يتعاظم التدمير.

إن أول من طرح فكرة العون الذي قد تقدمه الأكسدة لتفسير داء پاركنسون، كان كل من والمتوفى من كلية مونت سينا الطبية. وكان قد سبق لآخرين أن بيَّنوا أنّ ما استخدم أحيانا من ذيفان (توكسين) اصطناعي في التجارب العلمية، يمكن أن يكون سببا في أعراض پاركنسونية لدى الحيوانات، وأنه قد يستحث موت العصبونات المولِّدة للدوپامين في المادة السوداء، مما يؤدي إلى حدوث تلك الأعراض. وهنا كشف كوهن وهايكيلا أن العقّار يسمِّم العصبونات عن طريق التسبب في تكوين ما لا يقل عن نمطين من الجذور الحرة.

ويأتي بعض أكثر البراهين المباشرة على تورط الجذور الحرة في داء پاركنسون من فحص أدمغة المرضى الذين ماتوا بسبب هذا الداء. وقد بحثنا نحن وآخرون عن «بصمات» لنشاط الجذور الحرة في المادة السوداء بقياسنا مستويات تبدلات كيميائية نوعية، يُعْرَف عن هذه الجذور أنها تُحْدِثها في المكونات الخلوية. فالعديد من هذه الدلالات يتغير إلى حد كبير في أدمغة مرضى پاركنسون. فمثلا، وجدنا زيادة ملحوظة في كميات مركبات تتشكل حينما تتأكسد المكونات الدسمة (الدهنية) للأغشية الخلوية.

وكذلك تتوافر الأدلة الظرفية (العرضية)، إذ إن جزء المادة السوداء الذي يتدهور لدى مرضى پاركنسون يحتوي على كميات تزيد على ما هو معتاد من مواد تعزز تكوين الجذور الحرة. (ونورد مثال الحديد الذي درسناه بشكل مكثف كدليل ملحوظ على ذلك). وفي الوقت نفسه، يحتوي نسيج الدماغ على مستويات منخفضة فريدة من مضادات الأكسدة antioxidants التي هي جزيئات تدخل في تعديل (تحييد) neutralizing الجذور الحرة أو منع تكوينها.

ولقد لاحظ الباحثون كذلك هبوطا في فعالية إنزيم يسمى المعقد (المركّب) 1 complex في ميتوكوندريا (متقدرات) العصبونات المصابة. وتُعَدُّ الميتوكوندريا مصانع الطاقة في الخلايا، ويمثل المعقد 1 جزء الماكينة التي تولِّد بوساطتها هذه الميتوكوندريا الطاقة المطلوبة للخلايا. فالخلايا تستخدم الطاقة لأغراض عدة، بما في ذلك قذف ejecting الكالسيوم والأيونات الأخرى التي تستطيع تسهيل تفاعلات الأكسدة. وعندما يتعطل المعقد 1 يهبط إنتاج الطاقة وتزداد كميات الجذور الحرة، كما تنخفض مستويات بعض مضادات الأكسدة، وكل هذا يتجمع لزيادة الأكسدة وتفاقم أية وظائف خلوية مختلة يسببها نقص الطاقة.

أدلة مبكرة مستقاة من المدمنين
ما تسلسل الأحداث الذي يمكن أن يُفَسِّر التلف التأكسدي oxidative damage والتغيرات ذات الصلة التي تطرأ على أدمغة المصابين بداء پاركنسون؟ لقد تمّ اقتراح بضع أفكار. وجاءت أقدمها من متابعةِ بحثٍ على ما عُرِف بعبارة: «حالة المدمنين المتجمدين» The Case of the Frozzen Addicts.

ففي عام 1982 دهش أحد أطباء الأعصاب في جامعة ستانفورد وهو لمصادفته بضعة مدمنين على الهيروين أصبحوا فجأة فاقدي الحركة تماما تقريبا، وذلك بعد تعاطي المخدِّر. وبدا الأمر وكأنهم أصيبوا بداء پاركنسون بين عشية وضحاها. وبينما كان لانگستون يستقصي كيف يمكن أن يكون الهيروين قد ولّد هذا التأثير، أشار عليه أحد الاختصاصيين في السموم أن يرجع إلى تقرير غامض سابق عن حالة مماثلة في بيتيسدا. ففي تلك الحالة، صار أحد طلبة كلية الطب ـ وكان أيضا مدمنا على المخدرات ـ مشلول الحركة إثر تناوله جرعة بَيْتِيَّة من المخدر ميپيريدين meperidine الذي وجده و (من المعهد الوطني للصحة) محتويا على شائبة تسمى MPTP. فهذا المستحضر خرّب الخلايا الصانعة للدوپامين في مادته السوداء. ولما كان لانگستون يعرف أن المخدر الذي تناوله مرضاه كان يحتوي أيضا على الشائبة MPTP، فقد استنتج أن هذه الشائبة تفسر الپاركنسونية لدى هؤلاء المدمنين.

لقد ثبت صدقُ حدسه مثيرا إمكانية وجود مادة أكثر شيوعا وذات صلة بالشائبة MPTP، تكون السبب الباعث لحالات داء پاركنسون المعهودة. ومن حينها وسّع استقصاءٌ حول كيفية إتلاف الشائبةِ MPTP للعصبوناتِ الغنية بالدوپامين، فهمَ سيرورة الداء عموما؛ كما أماط اللثام عما لا يقل عن مسلك pathway واحد يسبب الذيفانُ من خلاله داءَ پاركنسون.


إن شلالا من التآثرات الخلوية (السهام الثخينة) الذي يمكن أن يفسر التلف العصبوني الملاحظ في داء پاركنسون، يبدأ عندما تسبب بعض الإيعازات غير المعروفة فرط نشاط لدى الخلايا المناعية في الدماغ (الدبق الميكروي microglia). وثمة قادحات غير محددة حتى الآن، كمثل التي تفرط في التنبيه لإطلاق الكلوتامات (في أقصى اليمين)، يمكنها أن تستهل العديد من التآثرات نفسها (السهام الزرقاء). إن داء پاركنسون يمكن أن ينجم في بعض الأحيان عن أحد هذه التسلسلات الموضحة هنا، ولكن في أحيان أخرى ينجم عن تراكب مجموعة من السيرورات.

ويعرف العلماء الآن أن الشائبة MPTP ما كانت لتؤذي لو أنها لم تتغير في الجسم. فهي تصير خطرا بعد مرورها بالدماغ ودخولها الخلايا النجمية والدبق الميكروي. فهذه الخلايا الأخيرة تلقِّم المخدر داخل ميتوكوندرياتها، إذ يتحوّل بفعل أكسيداز الأمين الأحادي B إلى جزيئات أقوى تفاعلا ثم ينطلق ليؤذي العصبونات الصانعة للدوپامين في المادة السوداء. ويأتي جزء من هذا الفهم من دراسة أجريت على السيليجيلين الذي يعمل مثبِّطا لأكسيداز الأمين الأحادي B. فإذا أمكن منع الشائبة MPTP من التغير، فإن العقار يحمي الحيوانات من داء پاركنسون.

وفي غياب الوسيط الوقائي ستدخل الشائبة MPTP العصبونات السوداء وتمر إلى داخل ميتوكوندرياتها مثبطة إنزيم المعقد 1. وسيسبب هذا الفعل، تبعا لما ذكرناه سابقا، زيادة في إنتاج الجذور الحرة ونقصانا في النشاط المضاد للأكسدة ومن ثم يتسبب في التلف التأكسدي للعصبونات.

وهكذا، فمن الناحية النظرية يمكن لأي مادة كيميائية تشبه الشائبة MPTP (سواء صنعها بعض الناس بشكل طبيعي أو تمَّ تناولها من البيئة) أن تسبب داء پاركنسون بسيرورة مشابهة. وقد فتّش العديد من الباحثين عن كيماويات كهذه، ولكن لم يفلحوا في ذلك. فعلى سبيل المثال، جذبتْ حديثا كيماوياتٌ دماغية تعرف باسم الكاربولينات بيتا beta carbolines الانتباهَ إلى ذيفاناتٍ عصبيةٍ مرشَّحة candidate، ولكن تراكيزها في أدمغة مرضى پاركنسون تبدو أقل من أن تعلل الداء. وباعتبار أن سنوات من الدراسة لم تستطع حتى اليوم ربط أي ذيفان معروف بالشكل المعياري لداء پاركنسون، فقد تستطيع نظريات أخرى أن تصف على نحو أدق الأحداث التي تسبب الأكسدة الشديدة لدى مرضى هذا الداء.

هل تكون الخلايا المناعية مفرطة النشاط؟
ثمة فرضية أخرى تحظى بقدر كبير من التقدير وتضع الدِّبْقَ الميكروي microglia (الذي يمثل خلايا الدماغ المناعية) في موقع متقدم من المسار التخريبي. وتُشتق هذه الفكرة جزئيا من كشف لمجموعتنا وللباحث (من جامعة كولومبيا البريطانية) يفيد بأن المادة السوداء لدى مرضى پاركنسون كثيرا ما تحتوي على دبق ميكروي ناشط بشكل استثنائي. فالدماغ يمنع في العادة الدبق الميكروي من فرط النشاط، لأن الدبق الميكروي في الحالة العظمى لتنشيطه يولِّد جذورا حرة ويسلك طرقا أخرى يمكن أن تكون مؤذية تماما للعصبونات [انظر: «الجهاز المناعي للدماغ»،مجلة العلوم، العدد 3 (1996) ، ص 50]. ولكن إذا تغلَّب شيء ما ـ مثل الارتفاع الشاذ لأحد السيتوكينات (وهي مراسيل كيميائية في الجهاز المناعي) ـ على ذلك المنع الدماغي في المادة السوداء، فإن العصبونات الموجودة فيها قد تصاب بأذى حقا.

إن الدراسات التي أجرتها عدة مختبرات على العصبونات الصانعة للدوپامين، تقاربت حديثا مع بحوث على الدبق الميكروي لتقترح طرقا مختلفة يمكن أن تقود هذا الدبق المنشَّط في المادة السوداء إلى التلف التأكسدي في عصبونات تلك المنطقة. ويتضمن معظم هذه الطرق إنتاج الجذر الحر المسمى أكسيد النتريك nitric oxide.

فعلى سبيل المثال، يُعرف عن فرط نشاط الدِّبْق الميكروي أنه يولِّد أكسيد النيتريك الذي يمكن أن يهرب من الخلايا ويدخل إلى العصبونات المجاورة لها ليشارك في تفاعلات تولِّد جذورا حرة أخرى. وهذه الجذور المختلفة تعطل بعدئذ البنى الداخلية وبعد ذلك يستطيع أكسيد النتريك نفسه أن يثبط إنزيم المعقد 1 في الميتوكوندريا. وبذلك يستطيع هذا الأكسيد أن يسبِّب الأذية التأكسدية نفسها التي يسببها الذيفان المشابه للشائبة MPTP.

إذا كانت أفعال أكسيد النيتريك هذه ليست قوية التدمير، فقد وجدنا أن أكسيد النيتريك مع جذر حر آخر (هو الأكسيد الفائق superoxide الذي يطلقه الدبق الميكروي الناشط)، يمكن أن يحررا الحديد من مخازنه في الدماغ وبذلك يقدحان شلالات cascades تأكسدية إضافية. وكذلك بينا أن الحديد، بغض النظر عن مصدره، يمكن أن يتفاعل مع الدوپامين ومشتقاته بما لا يقل عن طريقين يمكن أن يزيدا أكثر فأكثر كميات الجذور الحرة في الخلايا الصانعة للدوپامين.


تستطيع الجذور الحرة التي تبدو في المخطط على شكل نقاط ملونة أن تُتلف الخلايا مباشرة (البرتقالي) بعدة طرق. فهي تستطيع إيذاء دنا النواة ودنا الميتوكوندريا (المتقدرات) mitochondrial DNA وكذلك الأغشية الخلوية والبروتينات.

ففي إحدى مجموعتي التفاعلات يساعد الحديدُ الدوپامينَ على أكسدة نفسه. وتُحوِّل أكسدة الدوپامين ذلك الجزيء إلى مادة جديدة تستخدمها الخلايا السوداء nigral cells لبناء صِبْغَتها القاتمة التي تسمى الميلانين العصبي neuromelanin. فعندما تكون كميات الحديد قليلة، يفيد الميلانين العصبي كمضاد أكسدة. ولكنه يصبح بنفسه مادة مؤكسدة oxidant ويسهم في تكوين الجذور الحرة، حينما يرتبط بمعادن انتقالية ولا سيما الحديد. وكي ندعم إمكانية أن يسهم التفاعل بين الحديد والميلانين (القتامين) العصبي في إحداث داء پاركنسون، فقد أوضحتُ وزملائي أن تلك الصِّبْغَة غنية بالحديد في أدمغة المرضى الذين ماتوا بهذا الداء. وعلى النقيض من ذلك، تفتقر الصبغة إلى الحديد في أدمغة نظرائهم الذين ماتوا لأسباب أخرى.

أما في المجموعة الأخرى من التفاعلات المتعلقة بالدوپامين، فإن الحديد يعطل التسلسل الطبيعي الذي يتفكك من خلاله الناقل العصبي neurotransmitter إلى مواد كيماوية خاملة (عاطلة) inert. فالعصبونات والدبق الميكروي يحوِّلان الدوپامين عادة إلى مادة خاملة وإلى پيروكسيد الهيدروجين، وهذا الأخير يصبح ماء. وعندما يكون الحديد وفيرا، يتفكك عوضا عن ذلك أكسيد الهيدروجين إلى أكسجين جزيئي وجذر حر. إن مقدرة الدوپامين على تعزيز اصطناع الجذور الحرة قد تساعد على شرح سبب كون العصبونات الصانعة للدوپامين عُرْضَة بشكل خاص للموت بسبب الأكسدة. وقد أسهمت هذه المقدرة في الاشتباه بأن العقار L-dopa الذي يزيد كميات الدوپامين ويهدئ أعراض پاركنسون يمكن أن يتلف العصبونات السوداء nigral neurons بشكل مستتر. ويناقش العلماء اليوم هذا الموضوع بحماس، وإن كنا ـ نحن ـ نشك في أن هذا الأمر شديد الإلحاح.

والخلاصة، إن فرط نشاط الدبق الميكروي يمكن أن يُخَلِّف الموت التأكسدي للعصبونات المنتجة للدوپامين في المادة السوداء عن طريق إنتاج أكسيد النيتريك، قادحا بذلك بضعة تسلسلات مدمرة من التفاعلات. ويمكن للحديد المنطلق بفعل أكسيد النيتريك والجذور الحرة الأخرى في المنطقة أن تفاقم التدمير. وكما لاحظنا فإن خلايا الدماغ لا تمتلك جزيئات قادرة على تعديل الجذور الحرة. وكذلك تحتوي خلايا الدماغ على إنزيمات معينة تستطيع إصلاح التلف التأكسدي، ولكن الأجهزة (النُّظُم) الوقائية أقل انتشارا منها في أي مكان آخر بالجسم، وهي في جميع الأحوال فقيرةُ التزوّد بما يكفي لمجاراة الهجوم الضاري للمؤكسدات. ويترتب على ذلك أن السيرورات ـ التي وصفناها ـ إذا ما ابتدأت في المادة السوداء، فسيكون من المتوقع أفول المزيد من العصبونات التابعة لتلك المنطقة مع الزمن، إلى أن تظهر أعراض داء پاركنسون وتسوء في نهاية المطاف.


التقطت هذه الصورة للذين يطلق عليهم اسم المدمنين الجموديين frozen addicts مجتمعين في عام 1991، بعد أن تلقوا العلاج. فقبل تسع سنوات من ذلك التاريخ أصبحوا جميعا بلا حراك وبشكل فجائي؛ وكأنهم أصيبوا، آنيا، بداء پاركنسون، وذلك بعد تناولهم شكلا غير نقي من أحد المخدرات. وقد أدت دراسة الطريقة التي سببت إحدى الشائبات بها الجمود، إلى تبصرات في التفاعلات الكيميائية التي يمكن أن تسهم في مزيد من العَرَض المعروف للداء.

وفي الواقع، إن كل قادح trigger يستطيع تحريض الزيادة في أكسيد النيتريك أو إطلاق الحديد أو إنقاص نشاط المعقد 1 في المادة السوداء لا بد أن يعزِّز داء پاركنسون. وفي الحقيقة، إن نظرية الدبق الميكروي المقبولة ظاهريا ترى أن الإطلاق الزائد للناقل العصبي المسمى گلوتامات glutamate عن طريق تلقيم الجسم المخطَّط والمادة السوداء بالعصبونات يمكن أن يحرض على إنتاج أكسيد النيتريك وإطلاق الحديد. فالنشاط الزائد للگلوتامات يمكن أن يفجر على هذا النحو التسلسل التدميري نفسه الذي يحرضه النشاط المفرط للدبق العصبي. ونشير هنا إلى أن الإطلاق المفرط للگلوتامات يتورط في قيام اضطرابات دماغية أخرى مثل السكتة الدماغية. ولا يعرف أحد حتى الآن إن كانت العصبونات المنتجة للگلوتامات تتصف بفرط النشاط في داء پاركنسون، ولكن الأدلة الثانوية تتضمن هذا المعنى.

وتبقى كذلك أسئلة أخرى في هذا الصدد. فمازال الباحثون يجهلون إن كان داء پاركنسون يمكن أن ينشأ بطرق تختلف باختلاف الأشخاص. فكما يمكن أن يعود إخفاق تشغيل محرك السيارة إلى عدد من المسالك، نجد أن تشكيلة متنوعة من السيرورات يحتمل أن تقود إلى التلف التأكسدي (أو غيره) لعصبونات المادة السوداء. كما أننا نمتلك القليل من الدالات clues على الأسباب الأولية لداء پاركنسون، مثل القادحات triggers التي يمكن أن ترفع مستوى السيتوكينات أو تسبب فرط النشاط في الخلايا المُطْلِقة للگلوتامات. ولكن مع كل هذه الثغرات، فقد أوحت البحوثُ المستمرة أفكارا مثيرة لصالحِ علاجاتٍ جديدة تهدف إلى منع الأكسدة أو حماية العصبونات بطرق أخرى.

خيارات علاجية
إذا كانت السيناريوهات التي ناقشناها تحدث فعلا (مستقلة أو مجتمعة)، فإنه يبدو من المعقول أن نتوقع أن تقوم العوامل القادرة على تهدئة الدبق الميكروي أو تثبيط إطلاق الگلوتامات في المادة السوداء والجسم المخطط، بحماية العصبونات لدى بعض المرضى على الأقل. أما التحدّي الذي نواجهه، فإنه يتمثل في الكشف عن مركبات قادرة على عبور الحاجز الدماغي الدموي وإحداث التأثيرات المنشودة من دون أن تُزْعِج العصبونات الأخرى أو أن تسبب تأثيرات جانبية خطيرة. وقد بيَّن أحدنا (ريديرر) وزميله (من جامعة وورزبرگ) أن العقّار أمانتادين amantadine، (وهو عقار قديم ومضاد لداء پاركنسون ولم تكن تُعرف آلية عمله) يستطيع منع تأثيرات الگلوتامات. وتوحي هذه النتيجة بأن ذلك المركب يمكن أن يتمتع بميزة وقائية. وهناك حاصر blocker آخر للگلوتامات يسمى ديكستروميثورفان dextromethorphan يخضع للتجريب السريري في المعهد القومي للصحة (NIH) بالولايات المتحدة.

ويمكن للعقاقير أن تكون واقية إذا أَوْقفت مسيرة أحداث أخرى جارية بفعل القادحات المبدئية للتدمير. فالمواد التي تتمسك بالحديد (وتحولُ دون العديد من التفاعلات التأكسدية) والمواد التي تثبِّط تشكيل أكسيد النيتريك وكذلك المواد المؤكسدة، تخضع جميعها للدراسة في هذه الأيام. وقد تبيَّن أن مثل هذه المواد تحمي العصبونات المنتجة للدوپامين في المادة السوداء من الموت التأكسدي لدى الحيوانات. وفي الناحية الأخرى، وجدت نفس مجموعة التجريب داتاتوب على البشر ـ التي ألقت ظلال الشك على التأثيرات الوقائية للسيليجيلين ـ أن الفيتامين E (وهو أحد مضادات الأكسدة) لم يكن ناجعا. ولكن ربما كان الفيتامين E قد أخفق؛ لأن القليل جدا منه يعبر الحاجز الدماغي الدموي أو لأن الجرعات التي تمّ اختبارها كانت منخفضة جدا. هذا وتستحق مضادات الأكسدة التي تستطيع الوصول إلى الدماغ أن تكون موضع دراسة؛ وهناك مركب واحد من هذا القبيل على الأقل يخضع للتجريب السريري في المعهد القومي للصحة.

وبغض النظر عن سبب الدمار العصبوني، فإن العقاقير ذات القدرة على تعزيز تجديد العصبونات المفقودة ربما تكون مفيدة كذلك. فالدراسة على الحيوانات توحي بأن مثل هذه المواد يمكن بالفعل أن تكون ناجعة في الدماغ البشري. ويختبر الآن الباحثون في عدة مواقع أمريكية إدخال جزيء يسمى العامل المغذي العصبي المشتق من الدبق glial-derived neurotrophic factor (أو GDNF اختصارا) في أدمغة المرضى مباشرة. وهناك أيضا جهود جارية للعثور على جزيئات صغيرة يمكن للمريض تناولها بسهولة أكبر (بالحبوب أو بطريق الحَقْن) وتستطيع تنشيط عوامل النمو العصبوني neuronal growth factors، وكذلك تنشيط النمو العصبوني نفسه في الدماغ. وهناك مادة (هي راساجيلين rasagiline) تبيّنتْ بشائرها في التجارب على الحيوان وتخضع الآن للاختبار على البشر. وتوحي بعض الدراسات إلى أن نيكوتين التبغ يمكن أن يتصف بتأثير وقائي ولكن لم تجر في المختبر دراسة العقاقير الشبيهة بالنيكوتين كعلاج محتمل. ومع ذلك فسيكون من الغباء أن يتعاطى المرضى التدخين في محاولة لإبطاء تقدم المرض. فالبيانات المتاحة عن دور التدخين في إعاقة موت العصبونات الدوپامينية ملتبسة، ومخاطر التدخين تتعدى ولا شك كل فائدة افتراضية إلى حد كبير.

وكما تتقدم بحوث وقاية العصبونات، تتقدم أيضا بحوث التعويض عن اضمحلالها. وتتمثل إحدى طرق الدراسة في غَرْس implantation خلايا منتجة للدوپامين. وقد استفاد بعض المرضى من هذه الطريقة، ولكن النتائج كانت متباينة، كما أن الخلايا المتاحة للغرس غير متوافرة. وعلاوة على ذلك، فإن السيرورات نفسها التي تدمر الخلايا الدماغية الأصلية يمكن أن تدمر الغرائس implants أيضا. هذا وتتضمن طرقٌ أخرى التخريبَ الجراحي لأجزاء الدماغ التي تعمل بشكل شاذ حين فقدان الدوپامين. وكانت هذه الجراحة غير مأمونة في يوم من الأيام ولكنها تُجرى في الوقت الحاضر بنجاح أكبر.

يجب أن يتجه الهدف الحقيقي لمعالجة داء پاركنسون في نهاية المطاف إلى تحديد سيرورة (حَدَثِيّة) الداء قبل ظهور الأعراض، بحيث يمكن تقديم العلاج في الوقت المناسب لاتخاذ الإجراءات المناسبة لإحباط الدمار الدماغي الذي يتسبب في قلق المريض وعجزه. ولا يستطيع أحد أن يقول متى يصبح الكشف المبكر والوقاية العصبية واقعا حقيقيا، ولكن لن تُفاجِئَنا رؤية دراسات كبيرة تُجرى في هاتين الجبهتين خلال سنوات قليلة. وفي جميع الأحوال، لا يستطيع الباحثون الإخلاد إلى الراحة قبل بلوغ هذين الهدفين معًا.

المؤلفان
Moussa B. H. Youdim - Peter Riederer
تعاونا منذ عام 1974. يوديم، الذي يُعدُّ رائدا في تطوير مثبطات لإنزيم أكسيداز الأمين الأحادي تهدف إلى معالجة داء پاركنسون والاكتئاب، هو أستاذ الفارماكولوجيا في معهد التخنيون للتقانة بحيفا، وهو كذلك مدير المؤسسة الوطنية لداء پاركنسون وأمراض التنكس العصبي في الولايات المتحدة. أما ريديرر فإنه يرأس مختبر الكيمياء العصبية السريرية ويشغل وظيفة أستاذ الكيمياء العصبية السريرية في جامعة ووزربرگ بألمانيا. وقد تشارك المؤلفان ميدالية كلوديوس جالينوس الذهبية لقاء تطويرهما عقّار السيليجيلين المضاد لداء پاركنسون.

مراجع للاستزادة
JAMES PARKINSON: His LIFE AND TIMES. A. D. Morris. Edited by F Clifford Rose. Birkhauser, 1989.
EMERGING STRATEGIES IN PARKINSON'S DISEASE. Edited by H. L. Klawans. Special issue of Neurology, Vol. 40, No. 10, Supplement 3; October 1990.
IRON-MELANIN INTERACTION AND PARKINSON'S DISEASE. M.B.H. Youdinl, D. Ben Shacher and P Riederer in News in Physiological Sciences, Vol. 8, pages 45-49; February 1993.
PARKINSON'S DISEASE: THE L-DOPA ERA. M. D. Yahr in Advances in Neurology, Vol. 60, pages 11-17; 1993.
ALTERED BRAIN METABOLISM OF IRON AS A CAUSE OF NEURODEGENERATIVE DISEASES? M. Gerlach, D. Ben Shacher, P. Riederer and M.B.H. Youdim in Journal of Neurochemistry; Vol. 63, No. 3, pages 793-807; September 1994.
NEURODEGENERATION AND NEUROPROTECTION IN PARKINSON'S DISEASE. Edited by C. W. Olanow et al. Academic Press, 1996.
Scientific American, January 1997


المصدر مجله العلوم

الأحد | 29/06/2014 - 03:18 مساءً