أطفالنا المعاقين إلى أين ؟؟

ولكن هل لمثل هذه المراكز والجمعيات ضرورة وأهمية وعمل مؤثر حقا , أبحث في ذاكرتي المعطوبة لتظهر لي صورا كنت أخفيها في ثنايا الإهمال في الدماغ , أذكر وأنا المعوقة أصلا رفضي الشديد لانتمائي لأي مؤسسة تعليمية أو اجتماعية خاصة للمعوقين , والسبب هو الرفض المجتمعي البدائي للإعاقة والنظر إليها بعين الحسرة والشفقة , وباعتبار أن النظرة لهذه القضايا قد تطورت وسارت سيرا لابأس به في طريق الوعي والتفهم والتعامل بشكل علماني مع القضية  ( رغم التقصير العربي الشديد في هذا المجال  )  ولكن وجود مثل هذه المراكز والمؤسسات وازدياد عددها دليل تقبل مجتمعي جميل يبقى أن نبحث في دور الأهل , فالعديد من الأهالي يرفضون التصريح أو الإعلان عن وجود إعاقة لديهم والعديد منهم من يخفي طبيعة الإعاقة لدى طفلهم وخاصة إن كانت ذهنية أو نفسية , وكأن في الأمر عار يودون تغطيته .

طبعا لوجود مراكز تدريبية تعليمية تأهيلية خاصة للمعوقين دور فعال في نشر الوعي لهذه القضايا والإعلان عنها وجعلها حاجة أساسية في المجتمع كالحاجة لوجود مدرسة عادية , وهذه برأيي أولى مراحل الدمج التي ننادي بها , فأن يشعر المعوق بأن عليه واجبا يوميا , أن يرتدي ثيابه صباحا ويرتب حقيبته وينتظر موعد قدوم الباص ليأخذه إلى مدرسته التي بات يفضلها على البيت , وذلك لأسباب عديدة استشفيتها من خلال تجربتي في العمل في مركز دراسات وأبحاث ورعاية المعوقين في سلمية – حماه – سوريا

1 – يجد المعوق نفسه بين أقرانه على اختلاف مستويات الإعاقة لديهم وبين الكادر التدريبي المهتم لقضاياهم وذلك يعني أنهم يتلقون حنانا واهتماما منهجيا ذكيا بعكس ما قد يجدونه لو خرجوا للشارع , أو حتى لو زارهم ضيوف يصطحبون أطفالا قد يؤذون هذا المعوق نفسيا

2 – يخرجون من البيت الذي لا يجدون فيه سوى أشياء مكررة قد لا تقدم الفائدة المرجوة , كالتلفاز وألعاب الأطفال والقليل جدا من اهتمام الأهل بتعليمهم  ( هذا إن وجد من يهتم  ) إذ يفق الأهل الثقة بجدوى وإمكانية تعليم مثل هؤلاء الأطفال .

3 – إحساس الطفل المعوق بالمسؤولية من كتابة وظيفة مثلا على بساطتها ربما وذلك لتتناسب مع درجات الإعاقة الذهنية أو داون سيندروم أو ربما صعوبات تعلم وما إلى ذلك من أنواع للإعاقة , وطبعا أنا أتحدث هنا عن مركزنا الذي يضم مختلف أنواع الإعاقة , ولكن هناك العديد من المراكز المتخصصة بأنواع معينة من الإعاقة , وهنا تختلف درجات تعليمهم .

4 – استخدام الكمبيوتر وتدريب هذه الشريحة الهامة والواسعة من المجتمع حفز هؤلاء الأطفال لمحبة المركز , وتولدت رغبة شديدة في الحضور اليومي , وهذا الاستخدام اليومي للكمبيوتر هو أكثر الطرق الحضارية لجعل مثل هذه الشرائح تتقبل المعرفة والعلم , وقد تبدع في هذه المجالات على عكس ما يتصوره المجتمع عن قدرات المعوقين المحدودة وعدم ثقته بقدرتهم على العطاء فقد تخرج من مركزنا أكثر من 43 حالة مكفوفين وقد اشتغلوا على الكمبيوتر برنامج إبصار وكانوا فعلا كفؤا

كما إن الأطفال الذين يعانون صعوبات نطق أو صعوبات تعلم استنتجنا قدرتهم على إدارة الكمبيوتر بشكل فعال , كذلك تجاوب الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية وداون سيند روم مع الكمبيوتر كان مرضي بشكل كبير

أما الأطفال ذوي الإعاقة الحركية فحدث ولا حرج عن إبداعاتهم

إن أول سؤال لدى أطفالنا في المركز عندما يدخلون هو: متى حصة الكمبيوتر ؟؟

5 – إحساس المعوق بامتلاء وقته ونهاره بما يفيد فبمجرد انتظاره الصباحي للذهاب إلى المركز وعودته بعد الظهر ومحاولته كتابة الوظائف إن كان قادرا أو حتى رواية ما يحصل معه لأهله قضايا هامة للغاية على صغر حجمها.

6 – إحساس المعوق بالسعادة دائما لوجود محفزات في المركز من احتفالات بالمناسبات وأعياد الميلاد وخروجهم في نزهات في الأوقات الجميلة من العام

7 – خلق المحبة والتعاطف مع الآخرين بعكس ما قد يجده المعوق في الشارع من إساءة الأطفال الآخرين أو حتى الكبار الذين يستهجنون وجوده ويسخرون بهدف إثارة جو من المرح على حساب نفسية المعوق التي تصاب بالأذى

هذه المحبة والألفة يخلقها جو التعايش الذي يتخذ شكل أسرة بل وأكثر أهمية من الأسرة , فكم شاهدت الأطفال وهم يعتنون بمن هم بحاجة للعناية أكثر منهم أي حسب درجة إعاقتهم وبدورهم يتعاطفون ويأخذون على عاتقهم دور الأمومة والمسؤولية الرائعة والتي إن قدر لها لسجلت في أرقى درجة من أنواع الإنسانية  .

8 – كذلك اكتساب المهارات وتعليم فن الحياة اليومية والأعمال اليدوية للفتيات بسن الرشد كالتريكو والأشغال اليدوية الفنية والكنفة والرسم وغيرها , ومن خطط المركز لدينا إقامة معارض للأعمال اليدوية التي يقوم بها أطفالنا وريعها سيعود لهم .

كما أن لبعضهم اهتمامات شخصية كالرسم والتصوير , ولهم أيضا سيتم تخصيص معرض لأعمالهم الفنية قياسا بإعاقتهم .

ولكن هل يرسل الأهالي أطفالهم وهم يعرفون كل هذا وبهدفه يفعلون أم لحاجة أخرى ؟

الحقيقة تختلف المستويات ولكن للأسف هناك العديد من الأهالي الذين يريدون إرسال طفلهم المعوق فقط لإبعاده أطول وقت ممكن , فقد وردت عبارة ( إن عطلكم بمثابة عقوبة لنا ) ومنهم من طلب تمديد الوقت أكثر أو إلغاء العطل وما إلى ذلك من دلالات على أن الأهالي يريدون فقط إبعاد أطفالهم المعوقين ونحن للإنصاف نقدر صعوبة وجود طفل كهذا في البيت وذلك لأنه يحتاج لرعاية طوال الوقت وللأهل مسؤوليات أيضا يجب متابعتها , ولكن هناك واجبات تجاه هؤلاء الأطفال ويجب مراعاتها .

بالمقابل هناك عائلات أطفال معوقين يمثلون شريحة جيدة من الوعي والإنسانية والاهتمام الحقيقي بتعليم طفلهم , فهم متعاونون , ميالون دائما للسؤال عن تطور طفلهم وكيفية التعامل معه .

تكمن أهمية إقامة مثل هذه المراكز والجمعيات في نشر قضية المعوق وإشارة للمجتمع بوجوده والإحساس به , فمثلا لدينا الكثير من مختلف فئات المجتمع من أطباء وتجار وصغار الكسبة وغيرهم من الفئات وبذلك ينشر كل منهم القضية ونستقطب الاهتمام

هدفنا الأول هو زرع الورود بدل الشوك الذي يكلل طريق المعوق في الحياة

--