الدراما السورية وقضية الإعاقة

قيود الروح"
عن مسلسل "قيود الروح" بيّنت يارا صبري أن المسلسل صورة دافئة ملونة عن حياتنا.. يشبهنا جميعاً.. فلا أحد كان يتوقع أن لقاء عابراً بين ثلاث أمهات في أحد مشافي التوليد قد يقود إلى رحلة من المصائر المشتركة بين شخصيات تلتقي لتفترق ثم تلتقي من جديد ليكمل الأبناء هذا اللقاء الذي شاء له القدر ألا يكون عابراً في حكاية تصوغها المصائر المشتركة لثلاث عائلات سورية، وتمتد أحداثها على مدى ثلاثة عقود من الزمن.
وأشارت إلى أنها وشريكتها في الكتابة ريما فليحان أرادتا لهذا العمل أن يكون دافئاً ناعماً لا يحمل أياً من أشكال الضجيج والصخب ولا يطرق أياً من القضايا الكبرى والعناوين الرنانة.. إنه باختصار قطعة من البروكار نسجته شخصيات العمل على مدى حلقاته الثلاثين لتكتمل اللوحة في النهاية وتختلط العلاقات وتتضح النهايات، وقد تناول المسلسل من أجل أن يقدم من خلال شخصية فراس المعوق كحالة تشبه الكثير من الحالات التي استطاعت من خلال دعم الأسرة والمعاهد المختصة أن تتطور وأن تصبح فعالة في المجتمع من خلال ممارستها لأعمال متعددة وحتى وصولها لمرحلة الإبداع من خلال الرسم : "أردنا أن نقول إن وجود طفل يعاني من إعاقة في المجتمع ليس الكارثة.. الكارثة تكمن في إهماله وتركه دون عناية وعدم الإحساس بحاجاته ومشكلاته".
كما أكدت ريما فليحان كاتبة العمل أن قضية الإعاقة الذهنية المطروحة كخط أساسي ضمن خطوط العمل تمت من خلال الإحاطة بكل الجوانب التي ترافق تلك الحالة، وهي شخصية فراس الطفل الذي يعاني حالة من التأخر الذهني الخفيف نتيجة نقص أكسجة أثناء الولادة، وهذا أثّر على مقدرته العقلية فيما يتعلق بالإدراك والنطق، ولم يترك أياً من الآثار على الناحية الجسدية، ولتناول تلك القضية بطريقة صحيحة كان من الضروري –برأيها- مراجعة اختصاصيين ومراكز دراسات، ورؤية حالات متنوعة مشابهة، بالإضافة لقراءة الكثير من الكتب والمراجع مراعاة لطرح جوانبها النفسية والعاطفية وعلاقاتها مع الذات والمحيط، بالإضافة إلى مراعاة التفاصيل اليومية والحياتية التي تتعلق بالتربية وتنمية مهارات السلوك والاندماج بالمجتمع والعمل، وصولاً إلى الإبداع بشكل من الأشكال، مراعين مراقبة التطور المرافق للحالة على مدى السنوات نتيجة العناية والتدريب من الأم والمعهد.
العمل مغامرة
منتجة العمل الفنانة لورا أبو أسعد أشارت إلى شركة فردوس للإنتاج والتوزيع الفني التي تبنت هذا العمل كباكورة لإنتاجاتها التلفزيونية، ورصدت له ميزانية تجاوزت اثنين وخمسين مليون ليرة، وهو ما يعدّ مغامرة، خاصة وأن هذا النوع قد لا يلقى الرواج التجاري المعتاد في المحطات العربية، وبيّنت أنها مارست سياسة الشراكة الفنية مع المخرج والكاتبتين بدءاً من توزيع الأدوار، مروراً باختيار الفنيين، وانتهاء بآخر خطوة من العمليات الفنية، كما قامت بخطوات رائدة في الترويج لهذا العمل عبر موقعها الالكتروني بتخصيص صفحات خاصة لهذا المسلسل، وجعل الجمهور يختار اسمه عبر تصويت خصّص لذلك، واطلاعهم على يوميات العمل وكواليسه ونجومه الأطفال والشباب والمخضرمين، ما يجعله شريكاً حقيقياً في مشروع متكامل وطويل الأمد هدفه تسليط الضوء على مشاكل المجتمع السوري يبدأ بـ "قيود الروح".
تقصير وسائل الإعلام
في حين رأت ريم رفعت سعد اختصاصية اضطرابات نفسية في المركز التخصصي لاضطرابات التعلم والاضطرابات النفسية عند الأطفال أن العمل حاكى الواقع بكل أبعاده لعائلة لديها طفل له احتياج خاص ويواكب مراحل نموه وتطوره بحبكة مستقاة من الحقيقة، وهذا إن دل برأيها على شيء فإنه يدل على أن من وضع هذه التفاصيل الدقيقة قد عايش هذه الأسرة بكل تفاصيل حياتها ضمن أفرادها ومع محيطها، وهي النموذج السائد والأكثر شيوعاً للأسر التي يكون بين أطفالها طفل له احتياج خاص من الرعاية والتربية.
وأشارت إلى أن "قيود الروح" يسلط الضوء على إيجابيات وسلبيات كل مرحلة من مراحل تطور فراس الطفل المعوق، وكيف تعاملت معها الأم المتقلبة والأب الرافض المنسحب من واقع هذه العائلة.
فالأم تجاوزت المشكلة، وقد تقبلت وضع طفلها، وتبذل كل ما تستطيع لتجعله يعتمد على نفسه، وتؤمّن له من الحب والرعاية ما يكفي ليكون لديه حافز للتعلم الذي يصدم بجدار قاس يمثله الأب الرافض والناكر لوضع طفله بكلمات محبطة وتململ يجعل الطفل بحالة توتر وخوف لأنه لا يستطيع تغيير تصرفات والده معه، ومع إحساسه الداخلي بأنه غير مرغوب به وأنه مصدر مشاكل مع أبيه البعيد عن مهارات معاملة طفل لديه احتياج خاص، فهو قابل المجتمع الساخر من ابنه بسخط وقسوة على الطفل، وتناسى أن هذا التصرف زرع في طفله عدم الشعور بالأمن.
ورأت سعد أن العمل يسلط الضوء أيضاً على نقطة هامة هي أن الأطفال المتشابهين مع فراس بالمشكلة يوضعون بمراكز تأهيل مع أنهم قادرون على دخول المدارس الابتدائية من خلال الدعم وتكييف المواد واتباع برنامج تربوي مختص.
أما وصال شحود مديرة مركز دراسات وأبحاث المعوقين، فقد أشارت إلى تقصير وسائل الإعلام في هذا المجال رغم أن دور الاعلام كبير في خدمة هذه القضية، خاصة التلفزيون الذي أصبح رفيق معظم الأسر، فمن خلاله يمكن اطلاع المجتمع على متطلبات وحاجات المعوقين، مؤكدة على أن المعوقين بحاجة لمن يتبنى قضاياهم وخاصة على الصعيد الإعلامي، وبالتالي فإن تسليط الضوء على هذه القضية عبر وسائل الإعلام كافة له أهمية قصوى، أما الدراما السورية فباعتقادها أنها تطرقت لموضوع الإعاقة، وأعطت عنها صوراً مختلفة، إيجابية وسلبية، وقد عكست واقع الإعاقة بكثير من الواقعية، ولفتت نظر المجتمع إلى وجود شرائح عديدة، إلا أن الصورة التي قدمتها بقيت في حيز الوصف الموجز للعمق والحس الإنساني الداخلي بكل تفاصيله وطريقة التفكير عند المعوق بكل حيثيات رفضه وقبوله لواقعه والصراعات التي يعيشها، وقد ذكرت شحود بعض الأعمال الدرامية السورية التي قدمت شخصيات تعاني الإعاقة، وقد تفاوتت في نسبة معالجتها وأهميتها وضرورتها، وبذلك تكون الأعمال السورية برأيها قد قدمت القصة بأوجه مختلفة وقاربت الواقع ودنت منه بشكل جيد إلى حد ما، وما ينقص برأيها هو إسناد دور بطولة لشخصيات تتحدث عن إعاقات لشخص معوق حقيقة ليعطي انطباعاً مؤثراً في المجتمع.
 السينما شوهت صورة المعوق
 تحدث الأمين العام للمجلس المركزي لشؤون المعوقين عن الصورة النمطية المشوهة للمعوق في الأفلام والمسلسلات والبرامج، حتى الغربية، حيث صورته لصاً وإرهابياً وعدوانياً وعنيفاً، تكشف عن مخزون ثقافي واجتماعي معين، وإن لم ينكر أيضاً أن القليل منها قدم صورة إيجابية كفيلم "أضواء المدينة" لشارلي شابلن، وفيلم "أفضل أيام حياتنا" بطولة شخص معوق بالأصل، أما السينما العربية فقد أشار إلى أنها تناولت مواضيع المعوقين بطريقة التقليد المشوه للفيلم الغربي، لذلك يؤكد أن السينما بالعموم شوهت صورة المعوق في كثير من أفلامها، وصورت المعوق المكافح الطموح في أفلام أخرى، في حين أن الفضائيات لم تعط المعوقين حقهم الطبيعي فتناولت قضاياهم بطريقة هامشية، واستغلت الأغاني صورة المعوق وقدمتها بطريقة كوميدية، وبهذا يبدو الإعلام العربي عاجزاً عن تقديم صورة واقعية عن المعوق فقدمه كشخص هامشي.

--