اضطرابات المزاج.. أعراضها وعلاجها

ولأن الدنيا ليست نكدا دائما ولا هموما مستمرة، وكأس الماء يمكن رؤيتها بنظرة إيجابية بدلا من تلك السلبية، فإن الكثيرين يسيرون في حياتهم يحدوهم الأمل. ولكن ثمة من يعاني على الرغم من ذلك، من اضطرابات في مستوى مزاجه، وفاعليته، وعطائه العملي والاجتماعي والتعليمي.

ويذكر المتخصصون في الطب النفسي أن هناك عدة أنواع من اضطرابات المزاج، التي من أهمها القلق والاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب.

* القلق

* وإذا تحدثنا إجمالا عن القلق، فيمكننا القول إن معظمنا أو جميعنا مر بفترات من القلق الناتج كرد فعل للتوتر البدني أو النفسي. ولكن قد يصاب المرء بالقلق دون سبب واضح يمكن أن يتعرف عليه المرء ويعزو إليه قلقه. وإذا استمر الشعور المزعج بعدم الارتياح لمدة شهر على الأقل دون أعراض نفسية، فيطلق على هذه الحالة «اضطراب قلق عام» (GAD).

إن القلق الطبيعي له جذوره المتمثلة في الخوف، فعند التعرض لموقف خطير يكون الخوف حافزا للجسد كي يتخذ إجراءات من شأنها تنشيط رد فعل القتال أو الهروب، من هنا نرى ضربات القلب المتسارعة، ومن ثم يحدث ثقل في عمليات التنفس، وتتوتر العضلات، وهذا الأسلوب الدفاعي يحقق للجسد القوة اللازمة لمجاراة ومجابهة التهديد بالخطر.

وتتنوع أعراض القلق، فقد يعاني منها جمعيا شخص ما، وقد يعاني البعض الآخر من الناس من بعض تلك الأعراض. وبالعموم قد تتسارع لدى الشخص المصاب بالقلق ضربات القلب، وتتهدج الأنفاس، وترتعش الأيدي، وقد يحدث إغماء، ويزداد تصبب العرق، وربما يجد صعوبة في بلع الطعام. وبديهي أن يصاب المرء بالأرق وصعوبة الدخول في النوم أو صعوبات الاستغراق والاستمرار فيه لساعات تكفي لإعطاء النفس والبدن راحة كاملة. وإضافة إلى هذه الأعراض هناك أعراض مرضية مثل تقلصات المعدة والغثيان والإسهال، بالإضافة إلى الأوجاع العامة. وكثيرون ممن يعانون القلق العام نراهم مصابين أيضا بنوع من أنواع الاكتئاب التي سيأتي ذكرها لاحقا.

ومن أنجع العلاجات على المدى القصير الأدوية من فئة «البنزوديازيبيات»، التي تسهم بشكل فاعل في تهدئة أعراض القلق لدى الإنسان وتعطيه نوعا من الهدوء في انشغاله بالقلق وأعراضه. أما للتحكم على المدى البعيد في القلق وأعراضه، فيلجأ الأطباء إلى أدوية فئات مضادات الاكتئاب ومضادات القلق من نوع «الباسليرون». وهي قد يتم وصفها للمرضى لمنع تكرار النوبات المزعجة للقلق. ولكن تجدر ملاحظة أن هذه العلاجات قد لا تحقق فعالية فورية، إذ لا مفر من أن تؤخذ لمدة أسبوعين أو 3 أسابيع لكي يظهر مفعولها المهدئ للقلق والمخفف لأعراضه. والعلاج النفسي قصير المدى، أي من خلال عدد من الجلسات مع الأخصائي النفسي، له فاعلية أكبر من فاعلية العلاج الدوائي فقط، أي دون العلاج النفسي بصحبته.

* الاكتئاب

* كثيرون منا يعانون قلقا واضطرابا في المزاج، خلال ما نمر به من منعطفات حياتية واجتماعية وعملية وظيفية وعاطفية، فحالات الحزن، أو الفترات الانتقالية المؤثرة في الحياة بشكل عام مثل الانتقال من مرحلة المراهقة إلى ما يطلق عليه ضمنا «سن الرشد»، وكذلك حالات الطلاق، قد تتحول جميعها إلى اكتئاب، وقد يتحول الاكتئاب لمرض يعاود المصاب من حين لآخر.

وقد يظن البعض أنهم وحدهم من داهمهم الاكتئاب. ولكن الحقائق العلمية تؤكد أن واحدا أو أكثر من بين كل 5 أشخاص يعاني من الاكتئاب الحاد في مرحلة ما من مراحل حياته المختلفة. بمعنى أوضح، تشير الإحصائيات الطبية النفسية إلى أن ما بين اثنين في المائة إلى 4 في المائة من الرجال، وما بين 4 في المائة إلى 8 في المائة من النساء، سبق أن أصابتهم بالفعل حالة من الاكتئاب. وهذا يوضح أن النساء أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب من الرجال.

وتتعدد أشكال الاكتئاب وأنواعه، ومنها:

* الاكتئاب الرئيسي.

* اضطراب ثنائي القطب.

* الاضطراب الوجداني الموسمي.

* الحالة المزاجية السيئة.

والحالة الأخيرة هي الأقل حدة من سابقاتها، بعكس الاكتئاب الرئيسي الذي يدمر نشاط وإنتاجية حياة المرء ويعصف بها.

وهذا هو التصنيف الطبي. ولتعليل الشعور بالاكتئاب، يرى بعض المحللين النفسيين أن الكبار قد يعانون من الإصابة بالاكتئاب جراء حزنهم لفقدان أحد من الأهل، سواء بسبب الوفاة أو بسبب الانفصال أو الانتقال الجغرافي وغيره. وبالتالي من المنطقي أن يحصل الحزن لدى غالبية الناس الطبيعيين حينئذ. ولكن، قد يتطور الحزن لدى البعض إلى شعور محبط بانتهاء القصة العاطفية أو العلاقة مع شخص عزيز وقريب، وبالتالي حصول حالة من الحزن والانهيار، وهو ما يظهر على هيئة حالة الاكتئاب.

وهناك من المعالجين النفسيين الذين يرون أن الاكتئاب ناتج عن سلوك مكتسب. ويفسرون ذلك بأن الشخص الأكثر عرضة للاكتئاب هو ذلك الذي تعلم وأيقن منذ صغره ومن تجاربه أنه غير قادر على تغيير أي شيء مر به، ولهذا لا يحاول تكرار محاولة إنجاز موقف إيجابي، هذا إن حاول منذ البداية، وبالتالي تظهر عليه علامات الاكتئاب ويعاني منها عند حصول أحزان أو مشكلات أو فشل في مجريات حياته العاطفية أو العملية أو الاجتماعية أو الدراسية. وعلى هذا؛ فإن هذه النظرية ترى أن الاكتئاب نابع من معتقدات خاطئة لدى المرء بأن ليس له قيمة لدى منْ هم حوله، وأن من يتعايش معهم يناصبونه العداء، وأنه لا أمل في المستقبل، وأن كل سوء حظ يقابله في حياته إنما هو بمثابة عقاب له على شيء اقترفه في حياته.

أعراض متنوعة وتتنوع جدا أعراض الاكتئاب، وتتفاوت شدة حضورها ومعاناة المصاب منها. وليس غريبا على المكتئبين أن يرون كل حادث لهم على أنهم ارتكبوا في حياتهم ما يستحقون عليه العقاب وربما الموت، أو نراهم ينسحبون من الحياة والاتصال بالمحيطين بهم، فيصبحون ملازمين للحزن بعيدين عن مظاهر البهجة والسعادة، ومنهم من يصبح عصبيا، غير متزن ومضطرب، يعاني من سوء التركيز، واتخاذ أي قرار مهما كان بسيطا.

وكثيرون منهم قد يصابون بأمراض عضوية جسدية جراء معاناتهم من الاكتئاب. وأكثر الأعراض العضوية انتشارا هو فقدان الشهية. ومع هذا، ربما تنتاب البعض منهم حالة من الشراهة المفرطة للطعام. وكذلك قد يصابون بالأرق، مع أن شريحة واسعة منهم قد تميل إلى النوم، نتيجة لعدم قدرتهم على مواجهة ما يحيط بهم من واقع. بالإضافة إلى إصابة بعضهم بآلام في الظهر والمعدة والرأس والصداع ومن ثم الإمساك والإرهاق. ومن المهم ملاحظة أن نسبة 15 في المائة من المصابين بالاكتئاب الرئيسي لديهم أعراض ذهانية. أي أنهم يرون حياة أخرى وأفكارا بعيدة عن الواقع الفعلي لحياتهم، ومن أعراض الاكتئاب الذهاني الهياج وعدم الاستقرار البدني والإمساك والقلق، وقد يصل الأمر للتفكير في الانتحار.

ويمكن للطبيب المتخصص أن يقدم مساعدة كبيرة لمريضه من خلال استخدام لغة الحوار إلى جانب العلاج الدوائي، وسوف يساعد الطبيب المعالج على تحديد نوع العلاج الناجح، ولكن فترة العلاج قد تستمر من 6 إلى 12 شهرا.

وتوجد مجموعة من العقاقير المضادة للاكتئاب المؤثرة بشكل فعلي، حيث يمكن أن تتحسن 65 في المائة من الحالات خلال 3 أسابيع. ولكن إضافة إلى أسعارها الباهظة، يجب الحذر من بعض الآثار الجانبية لبعض العقاقير تلك التي يفرض تناولها وفق مشورة الطبيب، ومتابعته المستمرة لتأثيراتها العلاجية ولآثارها الجانبية.

اضطراب ثنائي القطب كان يعرف في ما مضى باسم «الاضطراب الاكتئابي الهوسي»، أو «الاكتئاب الهستيري». ومرضى هذا النوع من الاكتئاب يختلفون عن المصابين بأنواع أخرى من الاضطرابات الاكتئابية، حيث يتأرجح مزاجهم بين الاكتئاب والهوس.

وبداية هذا النوع من الاضطراب من سن المرهقة وأوائل سن الرشد، ويرتفع خطر التفكير في الانتحار بين هذه الشريحة المصابة به. وتلعب الوراثة دورا مهما في الاضطراب ثنائي القطب، حيث يصاب المقربون من المصاب، أو يكونون هم الأكثر تعرضا للإصابة به، أو بأشكال أخرى من الاكتئاب، وقال البعض إن العوامل البيئية لها دور في ذلك مثل العلاقات الأسرية.

ومن أعرض الاضطراب ثنائي القطب تطور حالة الهوس، فقد نجد بعض المصابين في حالة ابتهاج، ومن ثم يميلون إلى الخروج والتنزه تملؤهم الطاقة والحيوية، حتى إن صحبتهم تصبح ممتعة، بالإضافة إلى إنتاجيتهم العالية في العمل.

أما إذا تفاقمت حدة الهوس نجد النقيض، مثل التحدث بصوت عال، وبسرعة دون توقف، وقد تظهر لديهم ثقة كبيرة في النفس، أو أوهام مبالغ فيها يتخيلون أثناءها امتلاكهم للثروة والسلطان، لهذا نراهم قد ينفقون أموالهم بسفاهة وحمق وبذخ.

ويدخل ما بين 10 في المائة إلى 20 في المائة من المصابين بهذا المرض في دورات سريعة، حيث يصابون بـ4 من نوبات الهوس الاكتئابي في العام الواحد، وترتفع فرصة إصابتهم بنوبات في المستقبل مع كل نوبة جديدة، ويحدث ذلك حتى مع فترات العلاج.

ولا يسهل تمييز أعراض الاضطراب الاكتئابي عن غيرها من الحالات المرضية الشديدة، فقد يصعب تمييز انفصام الشخصية عن الهوس، فمن يتناولون عقار «الأمفيتامينات» أو «الكورتيزون» أو المصابين بفرط نشاط الغدة الدرقية لديهم أعراض متشابهة لمن يدخلون في مرحلة الهوس من المصابين بالاضطراب ثنائي القطب.

وعلاج المصاب بهذا المرض يحتاج إلى عناية كبيرة، لأن المريض في الغالب لا يكون مدركا لأفعاله، لهذا يكون اللجوء إلى الطبيب النفسي كي يتم التوصل إلى تشخيص دقيق يفيد في مرحلة العلاج. والخطورة في الموقف أن المصابين قد يصلون إلى مرحلة يمثلون فيها خطورة على أنفسهم، مما يستدعى إدخالهم المستشفى رغما عنهم. ومع هذا فإن علاج هذا النوع من الاكتئاب قابل للنجاح. وعادة يلجأ المعالج إلى «الليثيوم» الذي يعد ناجحا في الحد من الدخول في طور الهوس، إلا أن «الليثيوم» لا يحقق الشفاء الكامل، لأن دورة المزاج غالبا ما تعود إذا توقف العلاج. ولهذا تجب الملاحظة الدقيقة لمراقبة العلاج بـ«الليثيوم»، لأن من آثاره الجانبية زيادة الوزن ورعشة اليدين، والخمول والعطش وزيادة التبول، وكذلك قد يؤثر على القلب والكلى والغدة الدرقية، لذا يتم العلاج على جرعات متفاوتة حتى يتم الوصول تدريجيا إلى الجرعة المناسبة، على أن يتم فحص نسبة «الليثيوم» في الدم بشكل منتظم.

وقد تستخدم عقاقير مضادة للتشنج مثل «الديثالبرويكس» بدلا عن «الليثيوم»، خصوصا إذا كانت دورة المزاج شديدة السرعة، وفي الحالات الشديدة يتم اللجوء إلى علاج الصدمات الكهربائية، والعلاج النفسي قد يضيف أبعادا جديدة في العلاج تفيد المريض.

العقاقير المضادة للاكتئاب

* مثبطات إعادة السيروتونين الاختيارية (SSRIs): هذه المثبطات تعمل على تقوية نشاط الناقل العصبي الذي يسمى «السيروتونين» عن طريق تأخير إعادة التقاط النهايات العصبية له من جديد، ومن أشهر هذه المثبطات: الباروكسيتين – اللوكيستين – وSSRIs التي تستغرق عدة أسابيع للوصول إلى الفاعلية الكاملة، ولكن من آثارها الجانبية التهيج وتأخير القذف وبلوغ ذروة النشوة، وإضعاف الرغبة الجنسية والاستثارة، كما أنها قد تعمل على اضطرابات النوم، لذا يفضل استخدامها صباحا.

* مثبطات أحادي أمين الأوكسيديز (MAOIs): هذا النوع من النادر أن يكون الخيار الأول في العلاج لآثاره الجانبية خطيرة الاحتمال، فقد تسبب العجز الجنسي والدوار والأرق، وقد تعمل على ارتفاع ضغط الدم بدرجة تنذر بالخطر، خصوصا للمرضى الذين يتناولون المخللات وبعض أنواع الجبن، ولكن هذا العقار مفيد في علاج الحالات التي لم تتحسن لدى من استخدم العلاجات الأخرى، خصوصا المصابين بالذعر والخوف، وتوجد عقاقير أحدث من هذا العقار ليس لها نفس الأعراض الجانبية، خصوصا مع تناول الأطعمة المذكورة سابقا، منها عقار «الموكلوبيمايد»، وعقار «سيلاجيلين».

* مضادات الاكتئاب غير متجانسة التركيب الحلقي (HCAs): لقد دخلت هذه العقاقير عالم الدواء في فترة الستينات، كما شاع استخدامها في هذا الوقت.

ومن مضادات الـ«HCAs» الشائع وصفها «الدوكسيبين» و«البروتريتبلين» و«الترازودون»، بالإضافة إلى «الأميتربتيلين» و«الأيميبرامين» و«الديسبيرمين» وأخيرا «النورتر بتيلين»، حيث تعمل هذه العقاقير على تقوية مفعول ناقلين عصبيين في المخ وهما «السيروتونين» و«النرإبنفرين»، ويتحسن ما بين 65 في المائة و85 في المائة من المصابين بالاكتئاب بدرجة واضحة، وأغلب هذه العقاقير منومة، لذا ينصح باستخدامها ليلا.

إن «HCAs» في الغالب ما تبدأ العمل خلال أسابيع من تناول العلاج، ومع هذا يحدث تحسن في جوانب أخرى منها حالة ازدياد الشهية بشكل عام وكذلك النوم، ومن الآثار الجانبية الإمساك وصعوبة التبول، وزيادة الوزن، بالإضافة إلى تشوش الرؤية وجفاف الفم، كما تحدث حالات دوار بسبب انخفاض كمية تدفق الدم في المخ عند الوقوف أو الجلوس في الفراش فجأة.

--