التعليم ودوره في التأهيل المهني للمعاقين

حميد الهاشمي
الاعاقة --  هي حالة العجز لعضو واحد أو أكثر من أعضاء جسم الانسان عن أداء وظيفته جزئيا أو كليا. وتختلف هذه الحالة بإختلاف العضو المسبب له ودرجة العجز ايضا. فالمعاق إذن هو انسان عاجز أو ناقص عن التماثل مع الناس الأسوياء بحساب أداء وظيفة العضو العاجز (المعاق). ولكن، هل كل انسان معاق هو ناقص أو عاجز عن أداء دوره أو المماثلة مع الآخرين؟ وهل كل إنسان سوي عضويا هو مكتمل ومتفوق عن كل أنواع المعاقين؟
--- بالتأكيد الاجابة لا !! بدليل تفوق الكثير من المعاقين في معظم ميادين الحياة وتحقيقهم إنجازات كبيرة عجز عن تحقيقها الكثير من الأسوياء صحيا وبدنيا. وهناك أمثلة كثيرة في تاريخ البشرية، واقربها الى واقعنا :
o الاديب العربي الدكتور طه حسين، الذي كان كفيف البصر، لكنه كان سليما وحاد البصيرة. وقد حقق إنجازات كثيرة منها تفوقه في الآداب ونيله شهادة دكتوراه الدولة في الادب العربي من فرنسا. وتقديمه لمؤلفات عظيمة خدمت الثقافة العربية إضافة الى تقلده لمناصبة كبيرة ايضا منها وزير للتعليم في مصر.
o كذلك الامر مع الشاعر العراقي الكبير الدكتور محمد مهدي البصيرا الذي يماثل طه حسين في حالة عوقه وتفوقه، حيث نال شهادة الدكتوراه في الادب العربي ايضا، وتقلد مناصب ادارية وكان له دور وطني كبير في ثورة العشرين (1920) في العراق ضد الاحتلال البريطاني آنذاك، والتي توج على اثرها العراق إستقلاله المبدئي بتأسيس المملكة العراقية عام 1921. وخلال هذه الثورة لقب البصير بشاعر ثورة العشرين عرفانا لدوره الوطني وقيادته لجموع من الشعب العراقي تحريضا وتوعية ضد الاستعمار البريطاني.
o ولنا ادلة اخرى في ابي العلاء المعري والجاحظ وكثير من الملوك والقادة التاريخيين الذين لا يسع المجال لذكرهم.

سنحاول البحث هنا في سبل مساعدة وتأهيل المعاقين او ذوي الاحتياجات الخاصة وتحديدا فيما يصطلح عليه بالتأهيل المهني مع التركيز على التعليم ودوره في هذه العملية (التأهيل المهني).
وفيما يتعلق بالمنطقة العربية منها نتطرق الى بعض الاحصائيات ونماذج الرعاية والتأهيل.

أشكال الاعاقة
وللاعاقة أشكال عديدة، منها الاعاقات الجسمية، والحسية، والعقلية، والنمائية والاجتماعية، وتنتج هذه الاعاقات عن أسباب مختلفة منها ما يحدث أثناء الحمل مثل الأمراض الوراثية والمعدية، أو التعرض إلى إشعاعات أو تسمم الحمل، وأمراض المشيمة والاصابات التي تعاني منها الأم، ومن العوامل التي تؤدي إلى الاعاقة بعد الولادة إصابات المولود في الرأس أو التعرض لنزيف المخ أو الاختناق، إضافة إلى نقص السكريات في دم الجنين، كما تعد حوادث السير والحروب الأبرز في أسباب الاصابة بالاعاقة.


التعليم والتأهيل المهني:
إن الشخص المعاق هو إنسان سوي عاطفيا ووجدانيا حاله حال الاسوياء الاخرين ما لم تكن إعاقته عقلية. ولهذا فهو يحتاج فقط إعترافا ورعاية معقولة من ذويه ومجتمعه والى إتاحة فرصة بسيطه لإثبات وجوده.
إن أفضل الفرص التي تتاح للمعاق وإضافة الى العناية المعقولة التي ذكرنا هي اتاحة الفرصة للتعليم. فبالتعليم يستطيع المعاق إثبات قدراته وقابليته العقلية والادراكية الكاملة التي يمتلكها والتي يمكن ان يتفوق فيها في كثير من الاحيان على أقرانه الاسوياء.
لدينا مثال من الصين حيث يظهر مدى الاهتمام بالتعليم والتوظيف لهذه الشريحة من المجتمع وبالامكان الاستفادة من هذه التجربة في بلداننا.
احرزت الصين تقدما ملحوظا فى توظيف المعاقين. ففى عام 2001 تم تقديم 274 الف وظيفة الى المعاقين فى المدن والبلدات و15.53 مليون وظيفة الى المعاقين فى الارياف. وارتفعت نسبة توظيف المعاقين الى 82.3 %.
وانشئت فى كل البلاد حتى الان 2991 هيئة خاصة لتقديم الخدمات للمعاقين. وتم تربية 3700 من المعاقين لاكتساب فنون التدليك الخاص بالعلاج الطبى و 7500 من المعاقين لاكتساب فنون التدليك الخاص بالمحافظة على الصحة. ووصل عدد هيئات التدليك التى يعمل فيها المعاقون الى 1637 فى كل البلاد حتى الان.
كما شهدت قضية التربية والتعليم للمعاقين تطورا مستقرا. ففى العام 2001 بلغ عدد الطلبة الذين يتلقون التعليم الخاص فى المدارس المتوسطة العامة 1521 طالبا بما فى ذلك 6 مدارس ثانوية للعميان يدرس فيها 404 كفيفا، و12 مدرسة ثانوية للصم يدرس فيها 1117 طالبا. كما يدرس 2166 طالبا معاقا فى المعاهد والجامعات و585 طالبا معاقا فى المدارس العليا العامة لتلقى التعليم الخاص. وفى الصين 1029 هيئة خاصة للتدريب المهنى للمعاقين منها 76 هيئة تصل الى مستوى المدرسة المهنية المتوسطة. بالاضافة الى 2898 هيئة للتدريب المهنى العام للمعاقين يدرس فيها 480 الف معاق حاليا. (صحيفة الشعب اليومية اونلاين الصينية،04/10/2002)

فوائد التعليم
ونقصد هنا بالتعليم هو اتاحة الفرصة للمعاقين لكي ينتظموا بسلك التعليم سواء التعليم التقليدي او المدارس والمعاهد الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة، حيث يمنحهم التعليم مزايا وفرصا عديدة، وذلك باعتباه ايضا حلقة في سلسلة حلقات تستهدف تأهيل المعاق مهنيا لكي يتكفل بنفسه وبمعيشته وربما اعالة اسرته في اغلب الاحيان.
ويمكن اجمال فوائد التعليم باعتباره أحد مراحل تأهيل وإعادة تأهيل المعاقين بما يلي:
1- زيادة مدارك المعاق العقلية وتفتح ذهنه الى الكثير من أمور الحياة عامة والعلم خاصة.
2- إتاحة الفرصة لاثبات قابلياته العقلية واثبات وجوده.
3- التقليل من الشعور بمركب النقص الذي يعانيه وإتاحة الفرصة لمنافسة الآخرين.
4- مساعدته على التكيف والاندماج مع الآخرين من خلال تكوين علاقات صداقة وتعارف.
5- تغير الجو الاجتماعي والنفسي عليه نتيجة لتغير روتين حياته.
6- مساعدته في الاعتماد على نفسه، وزرع الثقة فيها، وتقليل اعتماده على الآخرين، نتيجة لتنمية قابلياته الذكائية والحركية.
7- إتاحة الفرصة المستقبلية له للاعتماد على نفسه إقتصاديا من خلال إيجاد وظيفة في المستقبل نتيجة لتحصيله العلمي.
8- زيادة خبرته عموما في الحياة طبقا لاحتكاكه بالآخرين.
9- تعميق فهم المعاق لنفسه وطبيعة إعاقته والتكيف معها.
10-فائدة عامة تتعلق بتغير وجهة نظر المجتمع تجاه المعاق على انه انسان عاجز من جهة وكذلك تقليل فرص الانحراف لدى المعاقين نتيجة لما يعانوه من أزمات نفسية وعزلة اجتماعية في كثير من الاحيان، نتيجة لسوء تقدير معظم قطاعات المجتمع. وان يقعوا فريسة للمنحرفين نتيجة لعجزهم. والفائدة جعله انسان منتج وافع في المجتمع

حلقات التأهيل
ان لهذه الفوائد أهمية كبيرة في مجال التأهيل المهني وهو عملية اجرائية تكاملية من سلسلة حلقات تستهدف تهيئة المعاق عقليا وصحيا ونفسيا وتدريبه على نوع من الاعمال ليكتسب مهارة خاصة تسمح له بعمل او حرفة مستقبلية يمكن من خلالها ان يكسب رزقه، وليعتمد على نفسه او حتى من الممكن إعالة أسرة كما ذكرنا قبل قليل.
وحلقات هذه السلسلة تتشكل كما يلي وحسب الترتيب:
1- فحص طبي للمعاق
معاينة صحية كاملة تبدأ بالبحث عن امكانية إصلاح العضو المصاب لديه، بالتداخل الجراحي، او بزرع بديل له ان امكن. ويتم ذلك عادة في المراكز الطبية المتخصصة وباشراف كوادر طبية كفوءة.
2- التأهيل البدني (physical therapy) للمعاق:
ويستهدف تنمية وتنشيط المعاق بدنيا. ومن الممكن تنشيط العضو المعاق لرفع كفاءة الاعتماد عليه، او تقليل نسبة الاعاقة او تدريبه ليستعين بوسائل مساعدة للحركة، وينجز هذا العمل بإشراف أخصائي تدريب بدني.
3- التأهيل الاجتماعي (social promotion):
ويأتي ذلك عن طريق تشخيص حالة المعاق تشخيصا تاما ومعرفة ظروفه الاجتماعية، وظروف إعاقته، ومرجعيته الاسرية ومؤهلاته العلمية، وغيرها. وينجز هذه المهمة الاخصائي الاجتماعي عادة.
4- التأهيل النفسي (psychological promotion):
وتتضمن دراسة قابليات المعاق العقلية والاستعدادات النفسية، وتقدير الشخصية ودراسة وضعه النفسي النفسي والسلوكي وما يعانيه من مشكلات وأزمات نفسية، ومدى حاجته للمعالجة ونوع تلك المعالجة. كذلك مدى قابليته للاندماج والتكيف المستقبلي.
5- التاهيل التعليمي:
ويتضمن تهيئة فرص التعليم او مواصلة التعليم إعتمادا على مدى توفر او اتاحة الفرص السابقة لهم في التعليم، ويأتي ذلك لاجل زيادة مداركهم، وطبقا لمنافع التعليم السابقة الذكر. ويؤدي هذه المهمة متخصصون بالتربية والتعليم (pedagogy) وتربية ورعاية المعوقين او ذوي الاحتياجات الخاصة.
6- التاهيل المهني:
وهذه العملية من الممكن اعتبارها الهدف والغاية التي نسعى اليها طبقا الى ما تعطيه من نتيجة فاعلة ومباشرة. حيث تتوفر مراكز ومؤسسات تأهيل واعادة تأهيل للمعاقين، يتم تنسيب المعاق فيها لعمل يتلاءم ومؤهله البدني وقابليته العقلية ومواهبه وقدراته وميوله التي تتناسب مع هذا العمل او ذاك. ويجب ان لا يفرض اي نوع من التخصص او العمل الذي لا يرغبه او لا يلائمه.
ويعاون على انجاز هذه المهمة ما يسمى بالاخصائي المهني والذي يكون ولا شك خبيرا بحرفة او مهنة معينة، اضافة الى خبرته واطلاعه بالتعامل مع المعاقين.
7- عملية التتبع:
وهذه العملية هي الحلقة الاخيرة في هذه السلسلة، حيث بمقتضاها يتم متابعة المعاق في الدائرة او المؤسسة التي سوف ينسب للعمل بها بعد تأهيله، وحيث يتم التنسيق من خلال المؤسسة او المركز الذي أهله للعمل. وتستهدف هذه المتابعة الاطلاع على حال المعاق وظروف عمله في المكان الجديد الذي وضع فيه او سلكه برغبته، سواء كان جهة رسمية ام غير رسمية، ومدى توافقه وتكيفه واندماجه مع محيط عمله. ودرجة استفادته من عمليات التأهيل هذه، وتشخيص سلبيات وايجابيات هذه المراحل التي قطعها، من أجل تلافي السلبيات وترسيخ وتطوير الايجابيات في المستقبل.

المعاقون في ضمير الانسانية:
إعلنت الجمعية العمومية للأمم المتحدة في الرابع من أكتوبر 1992م، ان الثالث من كانون الأول/ ديسمبر 2003، مناسبة وذكرى سنوية للمعاقين في العالم، "والذي كرسه المجتمع الدولي يوماً لتأكيد ضرورة احترام وتعزيز وحماية حقوق المعوقين في كافة أنحاء المعمورة. وهي الحقوق المستندة على المبادئ العامة لحقوق الإنسان، بما فيها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، والتي تكرس تحقيق المساواة التامة بين جميع أفراد البشر، دونما أي نوع من التمييز القائم على أساس الجنس أو العرق أو اللون أو الأصل الاجتماعي أو أي شكل آخر من أشكال التمييز. (موقع اسلام اونلاين)
اعتبرت الامم المتحدة عام 1981 عاما دوليا للمعاقين كما سمت العقد الممتد من عام 1982-1992 عقدا دوليا للمعاقين
إلا جانباً آخر مثيراً للجدل حول المعاقين ومدى أحقية استمرارهم في الحياة وهل يجوز قتل الأطفال المعاقين مثلاً قد دعا إلى تنفيذه البروفيسور (بيتر سينجر) وهو أستاذ العلوم الأخلاقية بجامعة (برينستون) في أستراليا حيث دعا إلى قتل الأطفال المعاقين لهذا أثارت آرائه ردود فعل متباينة فالبعض رأي أن من حق أي أستاذ أن لا يُمنع من الجهر بآرائه أيا كانت درجة اختلافها مع الآخرين إلا أن البعض الآخر أثار التساؤل حول أسباب اختيار الجامعة وإعطائها مقعداً لأستاذ من دعاة قتل الرحم وقتل المعاقين في وقت من المفترض أن تكون فيه الجامعة منارة للقيم الإنسانية الرحيمة؟!! ". (شبكة النبأ المعلوماتية - الخميس 13/11/2003)
ان الجهل الكبير قد يدفع بعض الناس الى النظر باحتقار الى بعض المعاقين خاصة ممن ولدوا بعاهات على ان الله اراد لهم ذلك وهذه نظرة ظالمة جدا. وقد اشار عالم الاجتماع الكبير الدكتور علي الوردي الى ذلك حيث سماه "الظلم الاجتماعي" وهو ما يعرفه بأنه "الظلم الذي يقع بين الناس من جراء العادات اوالقيم اوالتقاليد او المفاهيم الشائعة بينهم والتي تجعلهم يظلمون بعضهم البعض بدون ادراك منهم أنهم يظلمون، ويقع المظلوم ضحية بينهم دون ان يكون له اي ذنب يستوجب ظلمه... - ويضرب استاذنا الوردي امثلة لذلك منها- اذا شفت الاعمى كبه، انت مو اشفق عليه من ربه !!، او الله يعرف السلاية ويسود رأسها". (الوردي، 40)
لقد أحست منظمات الأمم المتحدة بحجم الإعاقة عالمياً ( نصف مليار معاق ) وتلك الحقيقة تهم جميع دول العالم، وحيث أن النسبة الكبرى منهم ( ثمانون بالمائة) في الدول الفقيرة والنامية، فقد سعت المنظمة من طرفها إلى مساعدة تلك الدول فأنشأت "صندوق الأعاقة الخيري" كجزء من فعاليات العام الدولي للمعاقين عام 1981م ثم تم تغيير الاسم إلى " الصندوق التطوعي لعقد الأمم المتحدة للمعوقين" 1982-1992م، ويقدم هذا الصندوق منحاً مالية للأنشطة والبرامج الريادية للمعاقين، كما تجويد خدمات التربية الخاصة والتأهيل في العالم، وأخيراً قررت الأمم المتحدة أن يبقى الصندوق قائماً حتى عام 2010م لتحقيق هدف " المجتمع للجميع"
ومن الهيئات والبرامج المعنية بشأن المعاقين والتابعة للامم المتحدة:
o برنامج العمل الدولي للمعاقين
o اللجنة الدائمة للوقاية من الإعاقة
o المؤتمر الدولي حول تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة
o معايير تساوي الفرص للمعاقين
o خطة عمل التأهيل في العالم المجتمعات المحلية
o عشرات المؤتمرات حول حقوق الإنسان والعمل الاجتماعي
o مؤتمرات متعددة عن المرأة والطفل
http://www.dr-soby.com/handicaped/toall.htm

ذوي الاحتياجات الخاصة في البلاد العربية:
يقدر عدد ذوي الاحتياجات الخاصة او المعاقين في البلدان العربية بحسب منظمة العمل العربية ب " اكثر من عشرين مليون شخص ... يعانون من الاعاقة غالبيتهم العظمي بحاجة الي التعليم والتدريب والتأهيل والرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية والمهنية لتمكينهم من المساهمة الفاعلة في تنمية المجتمع". (جريدة الزمان، 8-12-2003)
وتقوم هذه المنظمة (منظمة العمل العربية) التابعة لجامعة الدول العربية بتنسيق العمل العربي في هذا المجال من قبيل الندوات ومنها ما اعلنت عنه لاحقا حيث تبحث الندوة القادمة (ديسمبر 2003) "عن سبل لحماية المعاق في العمل، يشارك فيها ممثلون عن الجهات الرسمية المعنية واختصاصيون في سياسات التأهيل والتشغيل في الدول العربية الي جانب المؤسسات الاهلية الاقليمية والدولية المعنية بهذا الموضوع. وتناقش الندوة حجم ظاهرة الاعاقة في الوطن العربي والبرامج اللازمة لتأهيل المعوقين وسبل حماية حقهم في العمل من خلال تشريعات العمل العربية والدولية". (جريدة الزمان، 8-12-2003)
وبالنسبة لعدد المعاقين في العالم العربي المشار اليه اعلاه فانه يبدو كبيرا بالقياس الى مجموع سكان المنطقة العربية المقدر بثلاثمائة مليون شخص. اي بنسبة مئوية تساوي 6.6 % ، خاصة بالنسبة لاغلب البلدان التي عاشت استقرارا كبيرا ونموا اقتصاديا جيدا ونسبة من الوعي والرفاهية الاجتماعية، مثل بلدان الخليج وبعض بلدان شمال افريقيا، والمشرق باستثناء العراق وفلسطين التي تشهدان عدم استقرار يكاد يكون مستمرا. علما ان هذه الاحصائيات قد لا تحتوي بيانات مؤكدة عن المعاقين من العراقيين الذين عانوا كثيرا من الحروب المتكررة خاصة الحرب العراقية الايرانية المسماة بحرب الخليج الاولى وثم حرب الخليج الثانية مرورا بالحصار الذي استمر 13 سنة تقريبا واخيرا حرب الخليج الثالثة.
وقد تركت هذه الحروب والحصار اثارا كبيرة وملموسة تمثلت في هذا الجانب في العدد الكبير من ذوي الاحتياجات الخاصة سواء من الجنود او المدنيين. هذا فضلا عن المشوهين بالولادة نتيجة استخدام السلاح الكيمياوي في الشمال خاصة مدينة حلبجة التي فقدت حوالي خمسة آلآف شخص جراء ضربها بهذا السلاح. وجنوب البلاد في بعض مناطق الاهوار من قبل النظام البائد او ما يشاع من استخدام قوات التحالف في حرب الخليج الثانية لليورانيوم المنضب. او ما تسببه الالغام المزروعة بمناطق شاسعة من العراق سواء الحدودية منها كجبهات قتال او في مناطق مختلفة من اقليم كردستان العراق الذي عانى كثيرا. وبهذا فان المرجح ان تكون لدى العراق النسبة مرتفعة جدا من اعداد المعاقين قياسا الى باقي بلدان المنطقة.
وتلفت احصاءات الفلسطينيين الانتباه حيث يؤكدون من خلالها على ان نسبة المعاقين الى افراد المجتمع هي الاعلى قياسا الى العالم، وذلك جراء التوتر والعنف المستمرين بين الفلسطينيين والاسرائيليين والتي غالبا ما يكون ضحاياها من الابرياء الفلسطينيين اضعافا مضاعفة.
حيث أوضحت مصادر في سلطة الحكم الذاتي ان عدد المعوقين في فلسطين بلغ حوالي 109035 معوقا منهم 69145 معوقا من محافظات غزة مشيرة الي ان نسبة المعوقين في المجتمع الفلسطيني وصلت الي 3% من اعلي النسب في العالم. http://www.qudsway.com/akhbar/arshiv/2003/12-2003/a/report-12&03&15058.htm
ولكن ادعاء كون ان نسبة 3% لدى الفلسطينيين هي من النسب الاعلى في العالم فهو غير دقيق، حيث اننا نجد في مصر مثلا أن العدد التقريبي للمعاقين يناهز (6) ملايين شخص حيث ان نسبة 68% منهم ذكور و(32%) إناث، وبحساب النسبة المئوية نجد انها تصل الى ما يقارب 10% . اي انها اعلى مما هي في فلسطين بكثير.
ومما يشار الى حالة المعاقين في مصر ان "هؤلاء المعاقين يعانون بطريقة و أخرى من سياسات التمييز العائلي والاجتماعي لهذا فقد اختاروا طريق التقوقع على أنفسهم". كما يذكر هذا المصدر (شبكة النبأ المعلوماتية - الخميس 13/11/2003)
وفي اليمن تبلغ نسبة الإعاقة في اليمن 8% - 13%. اي انها اعلى ايضا وبفارق كبير.
علما ان اليمن كانت قد عانت من الحرب الاهلية لفترات كانت اخرها ما حصل في حرب (الوحدة) في عام 1994.
وان حقيقة كون اغلب بلدان هذه المنطقة هي خارج اطار الدول الفقيرة (ما عدى اليمن هنا) او ما يسمى بدول تحت خط الفقر مثل بلدان جنوب الصحراء الكبرى الافريقية او بعض بلدان اسيا، قد لا يلغي فكرة ان هناك اعداد كبيرة من المعاقين نتيجة للعنف القيمي او حوادث الطرق المتكررة او ارتفاع نسبة الجريمة مثلا او مخاطر العمل والبيئة والكوارث الطبيعية وما تخلفه مثل الزلازل والفياضانات وغيرها.
وقد "كشف تقرير مصري أن للعوامل البيئية دوراً في الإصابة بالإعاقة بكل أنواها وأشكالها ويزيد أثرها بزيادة عدد المصانع ووسائل النقل وينتج عن ذلك تلوث الهواء والماء.. والضوضاء التي تؤثر على السمع وتزيد خطورتها في الأماكن المزدحمة" (شبكة النبأ المعلوماتية - الخميس 13/11/2003)
وبصورة عامة فان " نسبة المعاقين في الدول النامية تصل إلى 80 % من واقع 500 مليون معاق في العالم... أغلبهم يعيش في مجتمعات ريفية" (موضي الزهراني، جريدة الوطن السعودية، 14-12-2003)
ويبلغ عدد الكفيفات في العالم 30 مليون كفيفة ونسبة الكفيفات في الدول النامية تبلغ 80% من كفيفات العالم. حيث عانت هذه البلدان من الاقتتال الداخلي او الحروب الخارجية اضافة الى تدني مستويات الوعي الصحي وانتشار الامراض والاوبئة وضعف الامكانات المادية لمكافحتها.
ويشار الى ان خدمات المعاقين في الدول النامية لم تبدأ إلا بعد عام 1940م ولم تظهر الخدمات في كثير من الدول العربية إلا بعد عام 1968م لتخدم ما يقرب من أربعة عشر ألفا وستمائة وعشرة (14610) معاقين من عدد المعاقين في الدول العربية البالغين 7 ملايين (في ذلك الوقت)
وهذا يظهر مفارقة البداية المتأخرة لبلداننا في تقديم الخدمات لهذه الشريحة من المجتمع علما انه قد تم انشاء أول معهد للمكفوفين في باريس عام 1784م. (موقع اسلام اونلاين)
ويتفاوت اعداد المعاقين ونسبتهم والخدمات المقدمة لهم من بلد لآخر بحسب استقرار ذلك البلد وبعده عن الحروب سواء الداخلية او الخارجية، وبحسب امكانياته الاقتصادية ومستويات الوعي الاجتماعي ايضا. حيث توفر الدولة في احيان كثيرة مراكز الرعاية الاجتماعية التي ترعى ذوي الاحتياجات الخاصة، لكن عدم توفر الوعي الاجتماعي والعلمي او وجود بعض العوائق الاجتماعية والنفسية تمنع الاسر من ارسال ابنائها و بناتها اليها او حتى تسجيل حالات عوقهم في الاحصاءات الرسمية.
في المملكة العربية السعودية كنموذج لدولة رفاهية معقولة في منطقتنا، توفر الدولة ما يسمى بالمراكز الايوائية التي تستقبل شديدي الاعاقة، ويبلغ عددها 26 مركزا منتشرة في مختلف المناطق السعودية وتؤوي أكثر من 6500 معاق ومعاقة، إلى جانب 12 مركزا وقسما للتأهيل المهني ومؤسستين لرعاية الأطفال المشلولين، والمراكز الحكومية والأهلية والخيرية التي تساند الوزارة في جهودها في هذا المجال، ومن هذه المراكز 9 مراكز للرعاية النهارية، و8 مراكز تابعة للجان الأهلية بمراكز الخدمة والتنمية الاجتماعية، و27 مركزا للرعاية النهارية يتولى تشغيلها القطاع الخاص. ويبلغ ما تنفقه السعودية على المعاقين ما يزيد على 388 مليون ريال سنويا (80.8 مليون دولار)، خلافا للجهود المبذولة في خدمة المعاقين من قبل القطاعين العام والخاص ومن قبل الجهات الخيرية بوصفها روافد تدعم الجهود المنتظرة من المجلس الأعلى لشؤون المعاقين، الذي تتطلع وزارة الشؤون الاجتماعية إلى تشكيله وفقا لنظام رعاية المعاقين الصادر بمرسوم ملكي، والذي نص على إنشائه من جميع القطاعات المعنية بخدمات المعاقين ورعايتهم وتأهيلهم وتعليمهم وتدريبهم، بحيث تعمل المؤسسات الحكومية والخيرية والأهلية على حد سواء تحت مظلة المجلس وفق الأهداف المرسومة له.
وتجدر الاشارة إلى أن الحكومة السعودية سنت في السابق جملة من القوانين لحماية حقوق المعاق، ومنها توفير العمل له في القطاع الحكومي والخاص، أو تقديم معونة مالية قدرها 50 ألف ريال (13.3 ألف دولار) مساعدة للمعاق للقيام بمشروعه الخاص.
كما تصرف للمعاقين وأسرهم إعانات مالية، إضافة إلى تكلفة العلاج و الأدوية، وتحويل سيارات المعاقين للتناسب مع احتياجاتهم، والأجهزة التعويضية والمعينات السمعية والبصرية، وتم تعديل المباني الحكومية، والتعليمية، ومرافق الخدمات، والحدائق والمتنزهات بما يلائم حركة المعاق، وتوفير الفصول الدراسية الخاصة والمدارس، وتسهيل دخولهم إلى الجامعات ومؤسسات التدريب الفني والمهني.

وتقدم السلطة الفلسطينية خدمات معقولة برغم ظروف البلد المتأزمة نتيجة سياسات الاحتلال الاسرائيلي وما يترتب عليه.حيث يتم من خلال وزارة الشؤون الاجتماعية "إعطاء المصاب من الانتفاضة مبلغا قدره 300 دولار لمرة واحدة فور حدوث الإصابة، كما يصرف للمعاق الأعزب مبلغ حوالي 120 دولارا شهريا والمتزوج 200 دولار شهريا، بالإضافة إلى 11 دولار لكل طفل من أطفال أسرة المصاب إذا كان لديه أبناء، إضافة إلى صرف بطاقة تأمين صحي وصرف مواد تموينية مختلفة من كل شهر". (موقع اسلام اونلاين) في حين تكاد تنعدم مثل هذه الخدمات في بلدان ذات مستويات دخل متدنية مثل السودان وموريتانيا والصومال وغيرها من منطقتنا.

والمطلوب هنا التوسع الافقي والعمودي تجاه هذه الشريحة من المجتمع وفي كللا النموذجين (الدول الفقيرة والاخرى الغنية) حيث يتوجب اجراء المسح الشامل وحصر اعداد ذوي الاحتياجات الخاصة بغية تقديم الخدمة الاساسية لهم وصولا الى ما هو افضل. وتحسين وتطوير نوعية الخدمات للمستفيدين اصلا.
ومن الامور اللازمة الاخرى اجراء مزيد من الدراسات في هذا المجال وتهيئة العديد من الاخصائيين ومراكز البحث والرعاية الاجتماعية مصانع الاطراف الصناعية او الوسائل المساعدة، وتشجيع العمل التطوعي والانساني وتقديم التبرعات، لانه ركيزة مهمة في هذا المجال، ولنا في البلدان المتقدمة صناعيا امثلة حسنة هنا حيث تبادر جهات شعبية ورسمية على الدوام وتتسابق لتقديم الخدمة لذوي الاحتياجات الخاصة بشتى انواعها منها ما يصل الى تقديم خدمات التمريض او المساعدة البيتية المجانية.

الخلاصة التي نصل اليها هي ان المعاق انسان وانسان قبل كل شئ، وبعدها هو فرد ابتلى بعاهة او عجز نتيجة ظروف معينة، فهو عاجز يستحق منحه هذه الفرصة ليعتمد على نفسه ان لم نتكفل به تماما. ولعل اهم الفرص والتي ستفتح الباب له امام فرصا ومجالات اخرى في الحياة وتنير له الطريق، هي فرصة التعليم. وقد اكدت ذلك كل الديانات ومنظمات حقوق الانسان والمؤتمرات والجهات ذات العلاقة اكتمالا لصورة الانسان الذي كرمه الله واستخلفه في الارض.

المراجع والهوامش:
جريدة (الزمان) اللندنية، العدد 1679، 2003 - 12 - 8.
جريدة الشرق الاوسط اللندنية، الاربعاء 17 -12- 2003.
صحيفة الشعب اليومية اونلاين الصينية10-04-2002.
موضي الزهراني، إعاقة في مجال الاعاقة، مقال منشور في جريدة الوطن السعودية، 14-12-2003.
علي الوردي، 1996، في الطبيعة البشرية، تقديم سعد البزاز، دار الاهلية، عمان الاردن.
http://www.annabaa.org/nbanews/28/198.htm
http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/adam-35/parent-1.asp
http://www.qudsway.com/akhbar/arshiv/2003/12-2003/a/report-12&03&15058.htm

مجلة العلوم الإجتماعية
اكاديمي عراقي مقيم في هولندا

الخميس | 26/06/2014 - 11:06 صباحاً