الاكزيما



الإكزيمة eczema تفاعل جلدي التهابي ينجم عن عوامل خارجية أو داخلية، أو عنهما معاً.
وتتصف الإكزيمة نسجياً بسُفاج (حالة إسفنجية) spongiosis وشُواك acanthosis وبرشاحة لمفية وناسجات histocytes حول الأوعية الأدمية العليا، وتختلف هذه الموجودات النسجية بحسب المرحلة الإكزيمية، إذ تقسم الإكزيمة بحسب سيرها إلى حادة وتحت الحادة ومزمنة. تتصف المرحلة الحادة بظهور الحويصلات على سطح حُمَامي (طفح وردي)، قد تنز نقاطاً صغيرة (الآبار الإكزيمية)، وتتصف المرحلة المزمنة بظاهرة تكون الحزاز lichenification إذ يثخن الجلد وتزداد خطوطه وضوحاً. والإكزيمة مرض حاك والحكة فيه شديدة عادة.
تؤلف الإكزيمة النسبة الكبيرة بين أمراض الجلد، وهي واسعة الانتشار، وتزداد حالاتها في الوقت الحاضر بسبب كثرة التعرض للمواد الكيمياوية في الحياة الحديثة.
يعد مصطلح الإكزيمة والتهاب الجلد Dermatitis مترادفين في الوقت الحاضر غير أنه لا يوجد اتفاق عالمي على هذا الرأي، ولكن يمكن الأخذ به لتسهيل دراسة الإكزيمة، وحيثما ورد مصطلح التهاب الجلد أو الإكزيمة فمدلولهما واحد في معظم الحالات.
تصنيف الإكزيمة
تقسم الإكزيمة قسمين رئيسين بحسب السبب:
الإكزيمة بأسباب خارجية: وتضم التهاب الجلد التخريشي والإكزيمة الأرجية بالتماس، والإكزيمة الأرجية الضيائية بالتماس، والإكزيمة الخمجية، والإكزيمة الفطرية (الطفحة الفطرية) والاندفاع الضيائي متعدد الأشكال الإكزيمي.
الإكزيمة بأسباب داخلية أو بأسباب مجهولة: ومنها الإكزيمة التأتبية (التهاب الجلد التأتبي) atopic dermatitis، والتهاب الجلد الزهمي، والإكزيمة اللازهمية asteatotic eczema والإكزيمة الدرهمية nummular، أو القريصية، والإكزيمة الفقاعانية، والإكزيمة الانجذابية (الركودية) والإكزيمة المفرطة التقرن والطفحة الإكزيمية النخالية (الإكزيماتيد)، وإكزيمة اليد والجلاد الفتوي الأخمصي والاندفاع الدوائي الإكزيمي. وهذا التقسيم صنعي لتسهيل دراسة هذا المرض الواسع الانتشار.
وفيما يأتي أهم أشكال الإكزيمة
ـ التهاب الجلد التخريشي: يصيب عادة ربات البيوت، ولذلك يسمى أيضاً إكزيمة ربات البيوت أو إكزيمة اليد العاملة، وينتج من جفاف راحة اليد بتأثير المواد الكيمياوية ولاسيما المنظفات الحديثة. يبدأ بجفاف رؤوس الأصابع، ثم يمتد ليشمل راحة اليد كلها أو معظمها، وقد تظهر شقوق مؤلمة تكون عميقة أحياناً.

ـ الإكزيمة الأرجية بالتماس وتسمى كذلك التهاب الجلد الأرجي بالتماس: وينجم هذا الالتهاب عن استعداد خاص يؤدي إلى فرط حساسية تجاه مستأرج allergen أو مستأرجات كيمياوية مست الجلد، وتعرضها أكثر من مرة، وتتحد هذه المواد المؤرجة مع بروتينات الجلد وتشكل مستضداً، يتكون له في العضوية ضد بوساطة الخلايا اللمفية. وباتحاد المستضد مع الضد تنطلق وسائط كيمياوية تؤدي إلى تشكل السطوح الإكزيمية. ومن المواد المؤرجة الكروم والنيكل والكوبالت والمواد المطاطية والأدوية وصبغة الملابس ومواد الزينة وعصارة بعض النباتات، ومواد كيمياوية كثيرة تزداد في الوقت الحاضر بسبب تقدم الصناعات الكيمياوية. تتظاهر الإكزيمة الأرجية بالتماس سريرياً بسطوح حمامية عليها حويصلات صغيرة و ذلك في مكان تماس المؤرج مع الجلد، أو تتعدى حدود التماس أحياناً إلى أنحاء أخرى من الجلد. وتوضعها في العنق أو المعصم يشير إلى التماس مع النيكل في الحلي غير الذهبية، وتوضعها على الوجه والأجفان يدل على أنها من مواد التجميل، وإكزيمة اليدين مهنية من الكروم كما في الإسمنت، أو من مواد كيمياوية مختلفة، وإكزيمة القدمين من الأحذية، وتتوضع الإكزيمة الناتجة من التماس مع أصبغة الألبسة في الثنيات عادة. يكشف المؤرج في هذا الشكل من الإكزيمة بالاستجواب الدقيق والفحص السريري وبالاختبارات الرقعية أو اللطخية patch test.
ـ الإكزيمة الضيائية بالتماس: تنتج من تحسس الجلد بمواد كيمياوية مع وجود الأشعة فوق البنفسجية، ومن هذه المواد مركبات الفينوتيازين والهالوجينات والعطور وغيرها. يمكن أن تُحدِث هذه المواد بوجود الضياء تفاعلاً انسمامياً ضيائياً أو تفاعلاً أرجياً ضيائياً.
ـ الإكزيمة الخمجية: تنتج من الجراثيم أو مستقلباتها الموجودة في القرحات والنواسير والجروح المتقيحة وتَحْدُث حولها سطوح إكزيمية.
ـ الإكزيمة الفطرية أو الطفحة الفطرية: تتصف بسطوح إكزيمية تالية لوجود بؤرة فطرية واضحة.
ـ الإكزيمة التأتبية: تسمى أيضاً التهاب الجلد التأتبي كما ذكر، وهي إكزيمة مزمنة تبدأ معظم حوادثها في الطفولة الأولى، وقد تستمر في الطفولة الثانية حتى بعد البلوغ، وقد تبدأ في أي سن. يرتفع فيها عادة الغلوبولين المناعي (IgE) E مع سوابق تأتبية عند المصابين.

أما الآلية التي يتم بها هذا النوع من الإكزيمات فغير واضحة حتى اليوم. وتحاول نظريات عدة شرح آليتها الإمراضية. ومن هذه النظريات النظرية المناعية التي ترى أن ارتفاع الغلوبولين المناعي E ونقص في الخلايا التائية T ووظيفتها واختلال التوازن بين أنواع هذه الخلايا )اختلال التوازن بين الجلد والخلايا T المؤازرة والكابتة( يؤدي إلى تفاعل ذاتي موجه ضد الجلد.
وتعزو النظرية الثانية هذا المرض إلى حصار مستقبلات بيتا الأدرينالية الفعل. وقد يكون للعامل النفسي والاستعداد التأتبي واضطراب استقلاب الحموض الدسمة ونقص في CAMP وخلل في وظيفة العدلات شأن في الإمراض أيضاً.
والمرض مزمن ويمكن أن يلاحظ في أيّ سن، ويصيب الذكور أكثر من الإناث، وتختلف توضعات السطوح الإكزيمية بحسب السن، والعرض الشخصي هو الحكة الشديدة. ويبدأ هذا المرض في أغلب الحالات في الطفولة بعمر 2 ـ 6 أشهر، ولكن قد يبدأ في أيّ سن كما ذكر، وتسهيلاً لدراسة الإكزيمة التأتبية تقسم إلى إكزيمة الرضَّع وإكزيمة الأطفال وإكزيمة البالغين.

أ ـ إكزيمة الرضّع: تبدأ إكزيمة الرضع على الوجه عادة وتعف عن مركزه، وقد تشاهد على الفروة، وفي أيّ مكان آخر من الجلد، إذ تصاب الثنيات عندما يكبر الطفل. تتصف هذه الإكزيمة بسطوح حمامية وعليها حويصلات نازة، يمكن أن تغطى بقشور ويمكن أن تختلط بالتقيح، والطفل يحك بشدة. ويمكن أن تتراجع بعد سنتين من عمر الطفل، وبعض حوادثها تستمر إلى عمر أكبر.
ب ـ الإكزيمة التأتبية عند الأطفال: تصيب الثنيات وخاصة الثنيات المرفقية والمأبضية والعنق والمعصمين، ويمكن أن تصيب الجلد في أيّ مكان آخر، ويحل تكوّن الحزاز محل النز في إكزيمة الرضع ويميل الجلد إلى الجفاف ولكن قد تكون هناك سطوح إكزيمية نازة.
ج ـ الإكزيمة التأتبية عند البالغين: تشبه الأكزيمة التأتبية عند الأطفال من جهة توضّع السطوح الإكزيمية وخاصة في الثنيات واليدين، وقد تصيب المناطق الأخرى أيضاً. يمكن أن ترتبط الإكزيمة التأتبية بزيادة التحسس من الأدوية وباضطرابات استقلابية، وقد ترافقها الحاصَّة البقعية )تساقط الشعر( alopecia areata والسَّاد العيني، وذُكر حدوث الموت المفاجئ في بعض الحالات. وإذا ما تعرض الطفل المصاب بالإكزيمة التأتبية لفيروس الحلأ البسيط herpes أو لفيروس لقاح الجدري فإنه يمكن أن يصاب بهذين المرضين وتؤدي إلى الإكزيمة الحلئية أو الاندفاع الحماقي الكابوزي، ولذلك يمنع تلقيحه بلقاح الجدري. تمر الإكزيمة التأتبية بفترات هجوع ونكس وتتحسن بتقدم السن.
ـ الإكزيمة الزهمية )الدهنية( أو التهاب الجلد الزهمي: مرض شائع مزمن يصيب الذكور أكثر من الإناث وسببه مجهول، ويفترض أن للوراثة شأناً في إحداثه، وقد يكون لبعض الفطور على الجلد شأن في إمراضه أيضاً، ويعزوه البعض لأسباب هرمونية، وهو يبدو بأشكال سريرية متنوعة، تتراءى أحياناً بوسوف جافة على الفروة، وأحياناً بشكل سطوح حمامية مع وسوف وزيادة في إفراز الزهم. ويمكن أن يتجلى هذا المرض بسطوح حمامية وسفية في محيط شعر الفروة وقد يصيب زاويتي الأنف والذقن، أو بسطوح حمامية وسفية في منتصف الصدر، أو الظهر والثنيات، والمرض حاكّ.
يتظاهر التهاب الجلد الزهمي عند الأطفال بطاقية المهد )خبز الرأس( cradle cap، وقد يصيب الثنيات بالمَذح intertrigo، وقد يتشارك بالحُمامى الأَلْيوية.
ـ الإكزيمة اللازهمية asteatotic eczema: تعزى إلى نقص الطبقة الزهمية الجلدية، وتتصف بجفاف الجلد مع احمرار خفيف وتشققات سطحية عليه )فلوح chapping)، وأكثر ما تشاهد على الأطراف. تزداد شتاء، وتصيب الشيوخ غالباً.
ـ الإكزيمة الدرهمية nummular eczema: ويفترض في سببها التأتبية أو الأخماج أو الرضوض الفيزيائية والكيمياوية. تظهر على شكل بقع حمامية محدودة تشبه قطع النقد المعدنية وعليها اندفاعات حَطَاطية حويصلية نازة مع قشور، وأكثر توضعها على اليدين والذراعين.
ـ الإكزيمة الفقاعانية pemphigoid eczema: تسمى أيضاً إكزيمة خلل التعرق وهي مجهولة السبب، ويفترض أن تكون تفاعلاً ثانوياً لآفات فطرية في القدم أو بتماس مع مؤرجات كيمياوية، وقد تكون بسبب نفسي. تتصف باندفاعات حويصلية كبيرة على جانبي الأصابع، وقد تمتد لتصيب الراحتين والأخمصين، وليس لهذه الآفة علاقة بالغدد العرقية، ولها شكل توسفي يسمى التوسف الصفيحي الصيفي.
ـ الإكزيمة الانجذابية gravitation eczema: وتعزى إلى فرط التوتر الوريدي في الطرفين السفليين، وتسرب ذرات الفبرينوجين إلى السائل ما بين الخلايا، وتتشكل معقدات فبرينية حول الشعيرات تمنع تبادل الأكسجين من خلالها. وقد يكون للرضوض شأن في إحداثها أيضاً. تتصف بظهور سطوح إكزيمية على الساقين المصابتين بالدوالي، وهذه السطوح وذمية، وقد تترافق باندفاعات فرفرية purpura وترسب هيموسيدريني Hemosiderinic، وقد تظهر بعض التقرحات.
ـ الإكزيمة المفرطة التقرن hyperkeratotic eczema: تتصف بفرط تقرن في راحة اليد والأصابع مع شقوق مختلفة العمق. ويجب تفريقها عن الآفات الفطرية والصُّداف.
ـ نخالية الوجه البيضاء (الطفحة الإكزيمية النخالية) pityriasis alba: تظهر على شكل بقع قليلة الحمرة مع وسوف دقيقة أو تبدو بشكل بقع بيض مع وسوف ناعمة عليها، وهي مجهولة السبب، وقد تبين وجود نسبة كبيرة من الأتوبية في سوابق المصابين بهذه الآفة، وقد يكون للعوامل الخارجية شأن في إحداثها أيضاً.
ـ الحزاز البسيط lichen simplex: سببه مجهول، وقد يكون للرض أو العامل النفسي شأن في إحداثه، ويتصف بسطح أو سطوح حزازية حاكة بشدة.
التشريح المرضي في الإكزيمة
تعكس الموجودات التشريحية المرضية الحالة السريرية في الإكزيمة وتتغير بتغيرها. ويشاهد في المرحلة الحادة السُّفاج وتشكل الحويصلات في البشرة. يقل السُّفاج وتزداد الأشواك في المرحلة تحت الحادة مع ظهور خطل التقرن parakeratosis وتبدأ الحليمات في التطاول، وفي المرحلة المزمنة يظهر فرط تقرن وخطل التقرن مع أشواك وتظهر رشاحة لمفية خفيفة في الأدمة العليا.
معالجة الإكزيمة
لا توجد معالجة واحدة لكل أنواع الإكزيمة ولكن توجد أسس مشتركة وهي إبعاد السبب بعد معرفته إن أمكن أو معالجته، وخاصة إكزيمة الأرجية بالتماس[ر] التي يُعمد فيها إلى إجراء الاختبارات الرقعية أو اللطخية لمعرفة المادة المسؤولة عنها وإبعادها. ويجب إبعاد المخرشات ما أمكن مثل الصوابين والمنظفات الحديثة والثياب الصوفية. ويمنع استعمال الفوَط المعدة من المواد الصنعية (النايلون) في التهاب الجلد الزهمي خاصة عندما يتشارك بالتهاب جلد المنطقة التي تغطيها الفوطة.
تطبق الستيروئيدات القشرية على شكل مرهم، أو تعطى داخلاً في الحالات الشديدة والمنتشرة من الإكزيمة، يمكن تخفيف الحكة بمضادات الهستامين، وتطبق الصوابين السائلة الرغوية (شامبو) القطرانية أو الحاوية على الكيتوكونازول في التهاب الجلد الزهمي عند البالغين، وتعالج البؤر الفطرية والجرثومية في الإكزيمات الفطرية والخمجية بالأدوية الملائمة لها.
صالح داوود

الخميس | 10/07/2014 - 09:07 مساءً