التصلب اللويحي

التصلب اللويحي sclérose en plaques أو التصلب المتعدد multiple sclerosis هو أكثر الأمراض العصبية مصادفة في مرحلتي الشباب والكهولة. وهو داء مزمن غامض السبب، يتصف من الناحية المرضية بظهور لويحات plaques زائلة النخاعين demyelination في المادة البيضاء للجملة العصبية المركزية central nervous system، أي في الدماغ والحبل الشوكي spiral cord، أما من الناحية السريرية، فيتصف بمظاهر عصبية كثيرة، يعتمد شكلها السريري وشدتها على المكان التشريحي لهذه الآفات.
هناك ما لا يقل عن 2.5 مليون شخص مصاب بهذا الداء في العالم. وتتأثر به كل الأعراق والأجناس، وخاصة المنتمون لأصول أوربية شمالية. ويتفاوت معدل الحدوث incidence rate كثيراً، حتى ضمن البلد الواحد. فقد ينخفض إلى 10 من كل مئة ألف في بعض المجتمعات ويرتفع إلى 250 من كل مائة ألف في مجتمعات أخرى. وتبدأ الأعراض بين 16-50 عاماً من العمر، ولاسيما بين 20-40 عاماً. والإناث أكثر عرضة للإصابة من الذكور بنسبة الضعف.
دلت دراسات متعددة على وجود عوامل جينية وأخرى بيئية تؤهب للإصابة: فهناك سيرة أسرية في 10٪ من الحالات. وترتفع إمكانية الإصابة بين الأقرباء من الدرجة الأولى لمريض ما إلى 5٪، أي إلى 20-40 ضعفاً عما هي عليه بين الناس عامة. ويكثر وجود الأليل Allele المعروف بـ HLA-DR2، والأليل HLA-DR3، والموجود على الصبغي رقم 6، وتصل نسبة الإصابة بين توأمي البيضة الواحدة monozygotic twins إلى 25-30٪، على حين هي أقل من ذلك بكثير (2-5٪) في توأمي البيضتين dizygotic.
لا يعد هذا الداء وراثيا،ً بالرغم مما ذكر، إذ تؤثر عوامل بيئية غامضة في الإمراض، حسب ما أوحت به دراسات الهجرة السكانية من بلد لآخر، تتفاوت نسب الإصابة فيما بينها. فمن المعتقد أن هذه العوامل البيئية تفعل فعلها قبل سن البلوغ لدى من كان لديه الاستعداد الجيني للإصابة، ويؤدي هذا التضافر لتحريض الجهاز المناعي على مهاجمة الغمد النخاعيني myelin sheath  للمحاوير العصبية axons، وذلك بين حين وآخر. ومن المعروف أن هذا الغمد يقوم بحماية المحاوير وعزلها كهربائياً بعضها عن بعض، وتتجلى الأعراض العصبية لتلف هذه الطبقة العازلة وللارتكاس الالتهابي المرافق. وفي مرحلة الشفاء من الهجمة، يستعاض عن النخاعين السوي بنسيج ندبي صلب يبدو تشريحياً على هيئة لويحات. ومن هنا جاءت تسمية المرض: التصلب (نسبة إلى النسيج الندبي الصلب) اللويحي (نسبة إلى تلك اللويحات الندبية) أو المتعدد (نسبة إلى البقع المؤوفة المبعثرة).
للتصلب المتعدد مظاهر سريرية كثيرة، تتفاوت من حيث الشكل والشدة، من هجمة لأخرى، ومن مريض لآخر، وحتى في المريض ذاته. تبدأ الأعراض فجاءة أو أنها قد تزداد ببطء في أسابيع أو أشهر، وتشمل مظهراً واحداً أو أكثر. فقد يشتكي المريض من تعب شديد أو من شلل أو اضطراب حركي في طرف أو أكثر (في 40٪ من الحالات). وقد يصاب بعضهم بالتهاب العصب البصري، ومنه حدوث فقد الرؤية المؤقت في عين واحدة غالباً (في 22٪). وقد تحدث اضطرابات حسية (21٪) أو شفع diplopia (رؤية مزدوجة في 12٪) أو دوار (في 8٪)، أو خلل في التبول (5٪). كما قد يتغير المزاج، ومنه حدوث الكآبة أو المرح euphoria أحياناً. وتضطرب الذاكرة القريبة أيضاً.
لا يمكن التكهن مسبقاً بنمط سير الداء، لا من حيث المظاهر المختلفة ولا من حيث الشدة أو الترقي. فيعيش المريض وذووه في قلق خوفاً مما ستحمله الأيام معها، الأمر الذي يزيد من التأثيرات المدمرة للداء.
يكون الشكل السريري واحداً مما يأتي، وقد تتداخل فيما بينها:
1ـ الشكل الحميد benign form: يصادف في 55٪ من الحالات تبدأ الأعراض فجاءة. وغالباً ما تكون حسية أو بصرية، وتتحسن تحسناً كاملاً. يكون الفاصل بين الهجمة والأخرى طويلاً. ولكن يتحول هذا النمط إلى الشكل المترقي في نهاية المطاف.
2ـ شكل السورات والهوادات relapsing/remitting: ويصادف في 25٪ من الحالات. يتصف بحدوث هجمات أو بتزايد الأعراض السابقة، وذلك بمعدل مرة بالسنة.
ويتحسن المريض تحسناً ناقصاً تاركاً بعض العجز الوظيفي. وبتكرار الهجمات، يتراكم هذا العجز، ويدخل الداء في مرحلة الترقي.
3ـ الشكل المترقي بطيء السير منذ البدء: ويصادف في 5٪ من الحالات وخاصة متى بدأ في الكهولة. لا تختلف سرعة الترقي في هذا النموذج عما يصادف في الأشكال السابقة الأخرى التي تدخل مرحلة الترقي. وفي نهاية المطاف، يصبح المريض مقعداً، ومن ثم عاجزاً طريح الفراش. يبلغ متوسط توقع الحياة في التصلب اللويحي 25 عاماً منذ البدء بشكل عام. ويكون سبب الوفاة خمجاً في قروح الاضطجاع، أو التهاب رئة استنشاقي، أو صمة رئوية، أو الانتحار في الغرب أحياناً.
4ـ الشكل الحاد: ويصادف في 15٪ من الحالات. تكون الأعراض عاصفة منذ البدء، ويتطور الداء بسرعة لينتهي بالوفاة خلال أشهر، على نمط مغاير للأشكال الأخرى.
يعتمد تشخيص التصلب المتعدد على السريريات، ويركز على وجود معيارين يدلان على تبعثر الإصابة في الزمان والمكان، أي:
ـ حدوث هجمتين من الإصابة، تفصل بينهما مدة لا تقل عن الشهر.
ـ تأذي أكثر من مكان واحد من الجملة العصبية المركزية مع غياب الأمراض الأخرى.
لا يوجد اختبار واسم لتأكيد التشخيص. ولعل التصوير بالرنين المغناطيسي للدماغ والحبل الشوكي هو أفضل وسيلة موجودة حالياً. فقد تظهر بقع مبعثرة من تأذي المادة البيضاء في الجملة العصبية المركزية. إلا أنه قد يكون سوياً في بعض المصابين ولاسيما في المراحل الباكرة. وقد يساعد في التشخيص كل من فحص السائل الدماغي الشوكي، بحثاً عن دلائل لاضطراب مناعي في الجملة العصبية، وقياس الكوامن المنارة بصرياً، لتحري بطء النقل الكهربائي في العصب البصري حتى في الذين لم يصابوا بأعراض بصرية سريرية.
لا يوجد علاج ناجع للتصلب المتعدد. تفيد الستيروئيدات في التخفيف من حدة الهجمة، وتسرع من شفائها، ولكن دون أن تؤثر في سير الداء على المدى الطويل. وقد يفيد التعديل المناعي immune modulation بإعطاء الإنترفرون بيتا beta interferon أو glatiramer acetate في التخفيف من شدة الهجمات وتواترها بنحو30٪ من الحالات. ويركن للعلاج العرضي للتخفيف من الشعور بالتعب، والتشنج، والألم، والضعف واضطراب التبول.

أنس سـبح

الموضوعات ذات الصلة:

الأحد | 07/09/2014 - 11:14 صباحاً