الإرشادات الطبية حول تناول الدهون.. جدل متواصل وآراء متضاربة

ضمن سياق الجهود الطبية نحو الاستفادة من نتائج الدراسات الطبية والإكلينيكية في مجالات التغذية الصحية، تتحول تدريجيًا النظرة الصحية لتناول الدهون.
وقد أثار تقرير «المنتدى الوطني للسمنة» في بريطانيا نشر قبل أيام، ضرورة مراجعة نصائح التغذية التي تحدّ من تناول الدهون في سبيل معالجة حالات السمنة، وهو ما أثار ردود فعل حول الأسس العلمية التي تفرض تلك المراجعة. وكان تقرير المبادئ التوجيهية لتغذية الأميركيين 2015 - 2020 و2015 - 2020 Dietary Guidelines for Americans، قد اعتمد صراحة ولأول مرة في الإرشادات الخاصة بالتغذية إسقاط وإلغاء كثير من القيود التي تضمنتها عناصر الإرشادات السابقة حول تناول الدهون والكولسترول الغذائي في المنتجات الغذائية، وهو ما يتوافق مع نتائج كثير من الدراسات والبحوث الطبية خلال الأعوام الخمسة الماضية، التي غيرت كثيرًا من المفاهيم والمُسلمات القديمة في الأوساط الطبية حول الدهون والكولسترول.
* تقرير جديد
وقال التقرير الصادر عن المنتدى الوطني للسمنة في بريطانيا National Obesity Forum: ينبغي تجنب تناول السكر والكربوهيدرات النشويات، وإن فكرة ممارسة الرياضة يمكن أن تساعد الإنسان على عدم التأثر صحيًا باتباع نظام غذائي سيئ هي أسطورة غير حقيقية، وأن حث الناس على اتباع النظم الغذائية منخفضة الدهون وخفض تناول الكولسترول يُؤدي بهم إلى عواقب صحية وخيمة.
ودعا التقرير إلى إصلاح جذري في المبادئ التوجيهية الغذائية الحالية، وأضاف أن التركيز على الوجبات الغذائية منخفضة الدهون فشل في معالجة أزمة البدانة في بريطانيا، في حين أن تناول الناس بعشوائية للوجبات الخفيفة بين الوجبات هو ما يُسهم في ارتفاع معدلات السمنة.
ودعا التقرير إلى العودة إلى تناول تشكيلة متنوعة من الأطعمة مثل اللحوم والأسماك ومنتجات الألبان، وكذلك إلى رفع كمية الدهون في الأطعمة الصحية مثل الأفوكادو باعتبار أن تناول الدهون لا يعني تلقائيًا الإصابة بالسمنة.
وخلال السنوات القليلة الماضية ظهر كثير من التطورات العلمية والطبية في شأن الدهون والكولسترول الغذائي، ولذا لاحظ الكثير من الأطباء والمتخصصين في شأن التغذية أن هناك نقلة نوعية في النظرة الطبية المعتمدة للعلاقة فيما بين التغذية الصحية وكمية ونوعية الدهون التي يُمكن للإنسان تناولها دون أن تكون سببًا يرفع من خطورة إصابته بالأمراض المزمنة على أنواعها مثل السمنة ومرض السكري وأمراض شرايين القلب وغيرهم. ومن المتوقع أن تغير هذه النقلة النوعية كثيرًا مما كان يعتقده كثير من الأطباء والمتخصصين في التغذية الصحية، ناهيك بعموم الناس، حول ما هو الصحيح طبيًا في شأن تناول الدهون والكولسترول.
* مناقشات متواصلة
والواقع أننا سنسمع في السنوات القليلة المقبلة كثير من هذه المناقشات العلمية والمناقشات الشعبية حول أفضل الوسائل للوقاية من السمنة وأفضل الوسائل لمعالجة مشكلة البدانة. والسبب هو أمران، الأول فشل الأساليب القديمة المبنية على إرشادات التغذية القديمة في وقاية الناس من السمنة ومعالجتها على الرغم من اتباع إرشادات التغذية تلك، والثاني ظهور كثير من الدراسات الطبية والإكلينيكية التي بينت الكثير حول علاقة الصحة بالتغذية وتأثيرات تناول أنواع شتى من الأطعمة على صحة الإنسان. وما يجب بالأصل في شأن إرشادات الأطباء حول التغذية التي يتلقاها الناس في كل يوم عدة مرات، هو ذكر التطورات الطبية والصحية في كل الجوانب بطريقة الطب المبني على الأدلة والبراهين Evidence Based Medicine، وهي الطريقة نفسها التي تتبناها الهيئات الطبية العالمية في توجيهاتها ونصائحها وإرشاداتها وفي معلوماتها الطبية والصحية التي تتحدث بها مع الأطباء الذين يقومون بمعالجة المرضى ويعملون على وقاية الأصحاء من الإصابة بالأمراض. وصحيح أن هذه الطريقة يتم اتباعها في كيفية معالجة مرض شرايين القلب، إما بالعملية الجراحية أو القسطرة أو الأدوية على سبيل المثال، ولكن لا يتم تبنيها واستخدامها بالدقة نفسها في إرشادات التغذية ونصائح كيفية تناول الطعام. ولذا لا يزال كثير من إرشادات التغذية بحاجة إلى مراجعة علمية دقيقة قبل اعتمادها كنصائح تُقال لعموم الناس، المرضى منهم والأصحاء.
* تحديثات جذرية للإرشادات
وتشير النشرات الإخبارية الحديثة لكلية الطب بجامعة هارفارد في موقعها الإلكتروني إلى أن «قد تم إصدار المبادئ التوجيهية الغذائية 2015 - 2020، مع تحديثات جذرية، بما في ذلك
- الحد ضرورة الحد من تناول إضافات السكر إلى أقل من 10 في المائة من كمية السعرات الحرارية اليومية.
- وإزالة القيود المفروضة على نسبة السعرات الحرارية من كمية الدهون الكلية التي يتناولها المرء في طعامه اليومي، وتحديدًا ضرورة أن يتنبه الناس إلى أهمية أن يتم التحول نحو تناول الدهون على هيئة الزيوت، مع الاهتمام بعدم الإفراط في تناول الدهون الحيوانية والنباتية التي تتألف من الدهون المشبعة، وأن لا تكون أكثر من 10 في المائة من كامل طاقة السعرات الحرارية للغذاء اليومي.
- وأيضًا كان هناك أمر آخر مهم، وهو أن النصيحة تقليل تناول الكولسترول دون تحديد أن يكون ذلك أقل من 300 ملليغرام في اليوم، كما كان في السابق ضمن إرشادات التغذية عام 2010، وتخفيف النظر إلى «كولسترول الطعام» كمادة مثيرة للقلق. وهناك كثير من المبررات الإكلينيكية والعلمية للنظرة هذه إلى الكولسترول الموجود في الطعام، بخلاف ضرورة العمل الجاد على خفض كولسترول الدم بوصفه أحد عوامل الخطورة المُؤكدة في التسبب بأمراض القلب والشرايين.
- التأكيد على مبادئ توجيهية جديدة في أنماط الأكل الصحية، مع التوصيات الرئيسية التي من أهمها تأكيد الحرص على تناول مجموعة متنوعة من الخضراوات في المجموعات الفرعية كالورقيات والخضار الخضراء الداكنة والخضار الحمراء والبرتقالية والبيضاء والبقول كالبازلاء والفول وغيرها. والحرص على تناول الفواكه وخصوصًا تناول الفواكه كاملة دون إزالة القشور عنها. والحرص على تناول الحبوب وأن تكون الحبوب الكاملة تُشكل نصف كمية الحبوب التي يتناولها المرء، أي أن من المطلوب تناول الخبز المصنوع من الدقيق الأسمر الذي هو مطحون حبوب القمح الكاملة.
* الدهون والكربوهيدرات
وهذا التوجه نحو عدم تقييد تناول الدهون الصحية، أي الزيوت النباتية الطبيعية السائلة في درجة حرارة الغرفة العادية، هو محاولة لتقليل الاعتماد على تناول كربوهيدرات النشويات المكونة من السكريات المعقدة، وتقليل تناول السكر الأبيض الحلو الطعم بالذات.
والملاحظ من قبل جميع الناس أنه على مدى عقود من الزمان، اعتبرت نصائح التغذية الصحية تناول النشويات أساسًا لأي نظام غذائي صحي، ولذا هي تشكل 55 في المائة من طاقة السعرات الحرارية عند حساب كمية الطعام التي يتناولها الإنسان خلال اليوم الواحد، وبالتالي تم حساب «كمية مُجمل الدهون» على أن لا تتجاوز نسبة 35 في المائة منها. إلا أن الدراسات الطبية الحديثة بينت أن الوجبات الغذائية العالية في محتواها من الدهون الصحية غير المشبعة والمنخفضة في محتواها من كربوهيدرات النشويات والبروتينات، والتي تتجاوز كمية الدهون الصحية نسبة 35 في المائة التي حددتها سابقًا إرشادات التغذية السابقة، هي عامل مهم في تقليل الإصابات بأمراض القلب والأوعية الدموية، ولاحظت ذلك في وجبات طعام سكان المناطق المطلّة على البحر الأبيض المتوسط.
ولذا أقرت ضمنًا نصائح التغذية الحديثة في الولايات المتحدة بأنه لا تُوجد أدلة علمية مقنعة للتوصية بوجبات غذائية ذات نمط «قليل الدهون كثير الكربوهيدرات» للوقاية أو لعلاج الأمراض الرئيسية المزمنة مثل أمراض القلب أو السكتة الدماغية أو السرطان أو السكري أو السمنة، وهذا التطور في المعرفة الطبية، وفق نتائج الدراسات الحديثة، حول حقيقة تأثيرات نوعية التغذية يسمح بوضع سياسات تغذية تعيد النظر في كيفية مواجهة الأمراض الرئيسية المزمنة كأمراض شرايين القلب والسكري والسمنة والأورام وغيرهم.
وبشيء من التفصيل، خالفت إرشادات التغذية الحديثة في الولايات المتحدة مُجمل نصائح أربعة عقود سابقة، وهي النصائح الطبية الغذائية السابقة التي تبنت سياسة إعطاء الأولوية لتقليل كمية مُجمل الدهون المتناولة ضمن وجبات الطعام اليومي وجعلها لا تتجاوز في كميتها نسبة 30 في المائة من طاقة السعرات الحرارية للغذاء طوال اليوم، وصحيح أنها لا تزال مفيدة في النصيحة بخفض تناول الدهون المشبعة التي تُوجد بشكل مُركّز في الشحوم الحيوانية الممتزجة بالكولسترول، إلا أن ذلك لا يعني تلقائيًا تقليل تناول الدهون بالعموم.
وإضافة إلى هذا فإن تقليل كمية مُجمل الدهون المتناولة خلال اليوم يُؤدي إلى الاضطرار إلى إحلال وتناول كربوهيدرات النشويات بدلاً منها كطاقة غذائية، هو تصرف لا يقلل من خطورة الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. والإرشادات الغذائية يجب أن تركز على تحسين أنواع الدهون المُتناولة ضمن الغذاء وليس الحد من كمية مُجمل الدهون المتناولة.

الإثنين | 06/06/2016 - 04:07 مساءً